سليمان والمعارضة علاقة ملتبسة أم تراكم حسابات خاطئة؟
ابراهيم بيرم
ربما شكل الكلام الآخر الذي أطلقه قائد الجيش العماد ميشال سليمان عن سأمه البقاء رئيسا على قارعة الانتظار أو “رئيسا مع وقف التنفيذ” الى اجل غير مسمى وربما لن يأتي، مفاجأة لوكالات الانباء العالمية التي سرعان ما تناقلت الخبر. ولكن الامر لم يكن يشكل عنصر مفاجأة بالنسبة الى العالمين ببواطن الامور السياسية في لبنان، والذين صار عندهم شبه اقتناع بأن مرور الايام يبعد المسافة القصيرة اصلا بين اليرزة وقصر الرئاسة الاولى المطفأ الانوار منذ خمسة اشهر في بعبدا.
القريبون من دوائر القرار في المعارضة، يقولون صراحة ان ثمة فرصة واحدة وحيدة اتيحت لبلوغ العماد سليمان قصر بعبدا يوم نجحت فرنسا في اقناع سوريا مع آخرين طبعاً بان من مصلحتها ان تقنع حلفاءها في لبنان بانتخاب سليمان رئيسا وترك باقي الامور الى ما بعد الانتخاب لان ذلك من شأنه ان يقوي موقع دمشق في المعارضة ويخفف منسوب الضغط العالي عليها من الخارج والذي يحاصرها بتهمة عرقلة الحلول في لبنان.
ولكن الصدام الاول بين العماد سليمان والمعارضة بدأ مع اختبار اولي اجرته له المعارضة مما بدد هذه الفرصة وفرض على دمشق النزول عند رغبة حلفائها في تأجيل الامر.
ولم يعد خافيا ان الاختبار أجراه زعيم تيار “المردة” النائب السابق سليمان فرنجيه الذي زار سليمان بصفته صديقا قديما له وأحد المتحمسين لايصاله الى قصر الرئاسة الاولى. وعلى اثره خرج فرنجيه حانقا طالبا من اصدقائه في دمشق العودة عن رغبتهم، فلبوا طلبه، ومتمنيا على حلفائه في المعارضة تجميد اندفاعهم ففعلوا، وغالبيتهم لم تكن متحمسة اصلا للعجلة. ومن قابلوا فرنجية بعد ذاك اللقاء الشهير خرجوا بانطباع صار لاحقا اقتناعا عند غالبية المعارضة فحواه الآتي:
– ان العماد سليمان اعطى تعهدات سياسية بالغة الاهمية بالنسبة الى المعارضة الساعية بدأب الى تعديل موازين القوى لمصلحتها وهذه التعهدات تتركز على ابقاء بيروت دائرة واحدة في اي قانون انتخاب مقبل وهو امر يلبي مطلب رئيس كتلة “المستقبل” النائب سعد الحريري وطموحه.
– ان للعماد سليمان طموحات بحصة نيابية ووزارية وازنة يريد عبرها ان يصير اما معادلا للعماد ميشال عون في الساحة المسيحية واما متقدما عليه، او في احسن الاحوال وريثاً لشعبيته في هذه الساحة انطلاقا من مقولة ان الجمهور الملتف حول العماد عون هو في الاصل والجوهر جمهور المؤسسة العسكرية وجمهور الرئاسة الاولى ومن باب اول ان يكون هو وارثه الشرعي عندما تثنى له وسادة الرئاسة الاولى.
خرج فرنجية من ذلك اللقاء بعدما قال كلاما حادا في نهايته، لتبدأ صفحة جديدة في العلاقة بين المعارضة من جهة والعماد سليمان من جهة اخرى، فيها من التوتر واللاثقة اكثر مما فيها من الدفء والحرارة.
وقد زادت هذه الصورة تشويشاً واختلاطاً جملة معلومات تم تداولها في كواليس المعارضة واوساطها عن شبهات حول زيارات غير مرئية وغامضة قام بها العماد سليمان الى خارج لبنان.
ثم كانت الكلمة التي ألقاها رئيس الاركان في الجيش اللواء شوقي المصري باسم المؤسسة العسكرية في مأتم مدير العمليات في الجيش اللواء الركن الشهيد فرنسوا الحاج في بازيليك حريصا والتي تبنى فيها شعار الموالاة لجهة انتخاب رئيس للجمهورية قبل أي أمر آخر.
و”ثالثة الأثافي” كانت حوادث منطقة مار مخايل في الضاحية الجنوبية الدامية التي سقط فيها ثمانية شبان، وما رافق ذلك وتلاه من تطورات وحوادث اوجدت كلها نوعاً من الفرقة بين العماد سليمان وجمهور “حزب الله” وحركة “امل”.
ومع ان العماد سليمان والمؤسسة العسكرية اقدما لاحقاً على جملة خطوات سياسية وميدانية اظهرا فيها رغبتهما الأكيدة في معالجة الموقف وازالة تداعيات الحادث المشؤوم، فان المعارضة والفئة الاكبر منها كانت فقدت حماستها لوصول سليمان الى الرئاسة الاولى، وبات الموضوع بالنسبة اليها ثانوياً او يمكن اعادة النظر فيه.
بالطبع ثمة من يقول إن هناك التباساً حول هذه المسألة، خصوصاً ان المعارضة لم تعلن بعد صراحة تخليها عن ترشيح سليمان للرئاسة في اي من خطابات رموزها باستثناء بعض التصريحات التي ادلى بها بعضهم وعُدت موقفاً لا يلزم كل المعارضة بل يتصل بتطورات وحوادث مناطقية محدودة.
وفي اوساط دوائر القرار ثلاثة تفسيرات لهذا الالتباس او الغموض، واستطراداً لهذه “الباطنية” حيال حقيقة موقف المعارضة من ترشيح العماد سليمان:
أولاً – ان المعارضة مستعدة للمضي قدماً في ترشيح سليمان للرئاسة الاولى، اذا كان ذلك مترافقاً مع مطلبها حكومة وحدة وطنية يكون لها فيها ما تسميه في قاموسها السياسي بـ”الثلث الضامن”، وتكون لها طبعاً فرصة العودة الى اقرار قانون عام 1960 للانتخابات النيابية المقبلة، لان التجربة المرة التي مرت بها المعارضة في الاعوام الثلاثة الأخيرة علمتها ان مصدر القوة ليس الرئاسة الاولى بل حكومة متوازنة تشارك هي في قرارها السياسي.
ثانياً – ان المعارضة مقتنعة بأن انتخابات الرئاسة ليست في المدى المنظور او في القريب العاجل وفق المؤشرات والمعطيات التي في حوزتها وبالتالي ليس من مصلحتها ان تحرق اوراقها في الوقت غير المناسب، وتجاهر بمعارضتها لترشيح سليمان او بتخليها عن العهد الذي اعطته في هذا المجال فتظهر بمظهر المعرقل للمبادرة العربية التي سمت علانية العماد سليمان مرشحا توافقيا، ودأب الامين العام لجامعة الدول العربية عمرو موسى على تكرار هذا الامر في كل جولاته وتصريحاته حول ملف الازمة اللبنانية.
ثالثا – ان المعارضة كانت تراهن ضمنا على ان الموالاة غير جادة في الاندفاعة والحماسة اللتين تبديهما صبحا ومساء للاستعجال في انتخاب العماد سليمان للرئاسة الاولى.
وتناهت الى سمع اركان في المعارضة اسئلة تستبطن التشكيك اطلقها العماد سليمان في مجالس خاصته حول جدية الحماسة التي تبديها قوى الموالاة حيال مسألة ترشيحه وانتخابه وانطلاقا من ان السلوك والاداء السياسيين لهذا الفريق لا يفضيان اطلاقا الى تمهيد الطريق امامه لبلوغ قصر بعبدا.
وبمعنى آخر كانت المعارضة تراهن على حين من الدهر، يمل فيه العماد سليمان نفسه فيعلن بلسانه خروجه من موقع “الرئيس مع وقف التنفيذ” الذي وُضع فيه منذ ان تبنته الموالاة مرشحا لهذا المنصب وردت المعارضة بسرعة قصوى على لسان العماد ميشال عون بالموافقة على ذاك الترشيح.
وعليه بات السؤال المطروح حاليا: هل يمكن ان يكون كلام العماد سليمان “جرس انذار” يطلقه ويحاول من خلاله خلق مناخ زمني معنوي ضاغط على طرفي النزاع في الداخل وعلى الاطراف الاقليميين والخارجيين المعنيين ليكوّن صدمة تحرك الجمود الذي من المقدر له ان يمتد. عن هذا السؤال تجيب مصادر على صلة بالمعارضة بأن العماد سليمان هو حقيقة على سأم واحباط، انه يريد بكلامه هذا ان “يثور لاسترداد كرامته”. ولكن اذا كان الرجل ينتظر من تحركه هذا ان يحدث صدمة تغير من مسار ما هو مرسوم ومقدر للأوضاع وانضاج حل وتسوية قبل آب المقبل فهو مبالغ، لأن حجم الازمة تجاوز مرحلة التأثر بالضغوط الداخلية، حتى وان كان كلامه منسقا مع جهة داخلية او خارجية.
هل تأخر العماد سليمان في الثورة، ام هل اخطأ التقدير والحساب؟ الجواب متروك لقابل الايام، لأن لا احد يملك الجواب الحاسم والجازم اليوم.
في الفترة الاولى التي اعقبت نزول المعارضة الى الشارع قبل عام ونحو ثلاثة اشهر، قيل في بعض الاوساط ان العماد سليمان يلعب الآن دور “حارس الفوضى وضابطها، وعليه ان يغير من واقع الحال عبر اعلان “تمرده” على الوضع غير المحمود الذي وضعته فيه الطبقة السياسية بمعارضيها ومواليها على حد سواء عبر “انذار” الجميع بالتخلي عن هذا الدور. ولذلك اصبح السؤال المطروح هل استمع الرجل الى هذه النصحية متأخرا، ام انها الاقدار لا بد ان تلعب لعبتها؟