#adsense

الحَقّ على الدّولة

حجم الخط

لقد فاجأني واحدٌ من القابِضين على مِقوَد القوّة غير الشَّرعية عندنا، بِصَبِّ اتّهاماته على “الدولة” المُتقاعِسة، بعد أَحداث منطقة العَشائر المُتفلّتة بحكم انتسابها، طَوعًا أو قَسرًا، لسيطرة الدّويلة التي يشكّل هذا “الواحد” جزءًا من مَسؤوليها.

إنّ أوّل ما يمكن الشّعور به، عند الإستماع الى هذا المُفوَه، هو القَرف، ليس منه شخصيًا، بل من الدّولة التي تُجبرُنا، بأدائها الأَعور، على النّفور منها مُمتعضين. والقرف من الدولة يؤدّي حتمًا الى خَيبة مريرة، والى إحباط يقود الى انعدام الثّقة بها، كونها عاجزة على التعامل مع الظّروف بشكل يحفظ كرامتها التي أصبحت من الماضي، أو مثل القَطع النّادر.

نعم، هذه هي حالنا، نحن الشّعب المنقَبض والمقبوض عليه من حكّام سفسطائيّين يدّعون أنّهم الضَّمانة الحقيقية للناس، وأيضًا من المُلتَفّين على الدّولة الذين صادروا، بفائض القوّة، موقع القَرار وفرضوا معادلات تُسقطُ من اعتبارِها توق الشّعب الى دولة حرة في وطن سيّد.

نحن مع الواحد الذي فاجَأَني، باتّهامه الدولةَ بالتَّقاعس. إنّ نظرة سريعة الى واقعنا تُحدث صدمة، فإنّ ما يُسمّى الدولة/ النّظام هو بالفعل باطلٌ يتستر بالحق، والسؤال البديهيّ هو أين الهَيبة والقانون والحُضور؟ هذه الأَقانيم الإلزاميّة لوجود الدولة أُسدل عليها ستار التراخي وركل المسؤولية، فأصبحت عندنا مُصطَلحات من التّراث. وصدر الرّهان على مفهوم الدولة في بيان نَعي، فبتنا نواكب دراما ذَوبان الدولة في الهمجيّة والعقم والعشائرية، ولم يعد أمامنا إلاّ المُطالَبة بِشَيخِ صُلح…

ولسنا مع الواحد الذي فاجأني، برَفعِه المسؤولية عن الجهة التي ينتمي إليها والتي لطالما عملَت على تقويض الدولة، المأسوف على شبابها، سلطةً وكيانًا وسيادةً، حتى أصبحنا مُرغمين على المُطالبة بمعجم جديد لمفاهيم الوطن والوطنية والكيان… فالواضح الذي لا يرقى إليه الشكّ، أنّنا، في ظلّ المنتدبين الجدد، نعيش مرحلةَ ما قبل الدولة، مرحلة الزمن الرديء، مرحلة نحر سيادة القانون، مرحلة انهيار مؤسّسات النّظام، مرحلة الإستقواء لترسيخ الهيمنة الأبدية.

والغريب أنّ القَيّمين على الدولة، هؤلاء المقَصرين الذين انتهكت كرامتهم الوطنيّة ولم يبدأوا بعد بإعادة إعمارها، يستميتون في منح صكوكَ براءة وطنيّة للذين قَسموا الناس بالإستقواء الى رعايا وشُرفاء، واحتكموا الى قانون القوّة بدلاً عن قوة القانون، وصادروا قرار الوطن بِفَرط القوة تحت ألف ذريعةٍ وما ذلك سوى جريمة وطنية موصوفة.

الى هذا الواحد الذي فاجأني: إنّ الطَّلب بأن تتولّى الدولة المسؤوليّة الأمنية والسياسية هو إنجاز يجب الإحتفال به كالمولود من إمرأة عاقر. ولكن، لكي تقنعني بالتخلّي عن اعتبار سلوككم مُدمّرًا لدولة المواطنة، إعملوا فعلاً على أن يقترنُ قولكم بالأَفعال. واللهُ وَلِيُّ التَّوفيق…

خبر عاجل