تقاس الأزمنة عادة بكبارها، لا بالطارئين العابرين صدفة على هامشها، وتقاس الأزمنة أيضاً بالإنجازات التي تتحق خلالها وليس بالإخفاقات والتجاوزات التي يرتكبها البعض. أما الأوطان فتتباهى بهيبة الدولة، وقدرة المؤسسات، وانضباط الأمن، واحترام حقوق الإنسان، وتتباهى باستقلاليتها وسيادتها وحريتها وليس بعدد الجزر الأمنية، وبقدرة دويلاتها التي تفوق قدرة الدولة، وبالإنصياع للقرارات الآتية من خلف الحدود، وبالتبعية التي تختزن في نفوس بعض مسؤوليها، وبالإنحدار في سلم القيم، والتباهي بالإعتداء على الناس وبالقدرة على القفز فوق القانون وتعطيل المؤسسات.
أما في زمن حسن فضل الله، فيصبح ممنوعاً على القضاء اللبناني التحقيق مع ميشال سماحة بعد التهديدات التي أطلقها بحق الدكتور سمير جعجع وحزب "القوات اللبنانية"، تحت شعار أن سماحة يمثل صوتاً من أصوات المقاومة، و"لا يحق للقضاء اللبناني مساءلة أي صوت من أصوات المقاومة في زمننا هذا".
كان على النائب فضل الله، أن يقرأ كتاب القاضية الإيرانية المقصية شيرين عبادي "إيران تستيقظ"، الحائزة على جائزة نوبل للسلام عام 2003، قبل أن يطل على اللبنانيين بآخر تجلياته الفكرية حول مفهوم الأزمنة، ربما كان أدرك حينها أن زمن الثورة الإسلامية الإيرانية قد شارف على نهايته، واستطراداً زمن ملحقاتها في لبنان، وما اضطرار أهل النظام الإيراني إلى اللجوء إلى العنف في مواجهة الطلاب الإيرانيين وسحقهم في الشوارع سوى خير دليل على بداية أفول زمن الثورة في إيران، كما اضطرار حزب الله المتجلبب بعباءة "المقاومة" إلى استخدام العنف في وجه اللبنانيين، تحت شعار السلاح في حماية السلاح في 7 أيار 2008، يمثل دليلاً ساطعاً على تبدل الأزمنة.
ربما لو يقرأ النائب الكريم، لكان أدرك أن الأزمنة لا تقاس بعدد الصواريخ ولا بقوة "حراس الثورة" ولا بعنف "الباسيج"، فالإيرانيون الأحرار هم من يرسمون تاريخ إيران حالياً وليس أحمدي نجاد كما يتوهم البعض، فالقنبلة النووية التي تزمع الثورة الإسلامية على صناعتها لن تستطيع قمع المعترضين على أساليب الحكم القمعية، كما أن آلاف الصواريخ التي يملكها "حزب الله" لن تستطيع حمايته في أي مواجهة مستقبلية مع الإسرائيليين ما لم تحتضنه بيروت الجريحة وأهلها المطعونين في الظهر.
حدّثنا النائب فضل الله، إبن الثورة الإسلامية في لبنان، المصدرة إلينا من إيران، عن هذا الزمن "زمن المقاومة"، لكنه لم يطلعنا على الوسائل التي سيعتمدها لمنع المحاكمة عن سماحة والأصوات الأخرى الداعمة لـ"حزب الله"، هل باجتياح المحاكم وإحراقها كما تم التعامل مع المؤسسات الإعلامية في السابع من أيار "المجيد"؟ أم باعتماد وسائل مشابهة لتلك التي اعتمدت مع مايا كيروز؟ أم سيتم خطف القضاة على طريق المطار ليلاقوا مصير جوزف صادر؟ أم ستطلق النار عليهم عن طريق الخطأ!!! كما حصل فوق تلة سجد؟…
في زمن حسن فضل الله، زمن تكديس السلاح والأموال الإلهية، لم يستطع "حزب الله" أن يفرض على الللبنانيين منح ثقتهم لمرشحي قوى الثامن من آذار، واستعادت قوى "14 آذار" الأكثرية، وتمكن اللبنانيون من إعلاء صوتهم، فلا صوت يعلوا فوق صوت الأحرار، ولا إرادة أقوى من إرادة الأحرار، وقريباً سيسمع حسن فضل الله صوت العدالة اللبنانية، والعدالة الدولية ليدرك حينها أن زمن السلطان قد ولّى وأننا نعيش زمن الشهيدة ندى آغا سلطان.
وبانتظار أن يستيقظ أهل الثورة في لبنان، نقرأ من كتاب شيرين عبادي "إيران تستيقظ" بعض الحقائق عن العدالة الإلهية، التي يسعى البعض لفرضها على اللبنانيين في "زمن المقاومة":
"لقد عارض الكثير من الايرانيين معارضة عميقة احتجاز الرهائن، لكنهم لم يتفوهوا بكلمة خارج بيوتهم، خشية التعرض للاتهام بأنهم عملاء اميركيون ويحكم عليهم بالسجن. وسرعان ما اصبح احتلال السفارة الدراما المركزية للثورة. أعلن الطلاب أنهم نبشوا من تحت الارض وثائق استخبارية سرية، فراحوا يصدرون البيانات التي تتضمن اسماء ايرانيين زعم الطلاب انهم كانوا يتجسسون لحساب الحكومة الاميركية. مع كل بيان جديد كان الطلاب محتجزو الرهائن يوقّعون عملياً على مذكرات بإعدام المتعاملين المزعومين… وعندما عرضت عليَّ صديقتي الذهاب الى المكان، قلت: انني آسفة، لست مهتمة بالخبل كرياضة معروضة للفرجة…
لا زلنا نستيقظ وصحف الصباح تغص بلوائح طويلة بأسماء الذين أعدموا من المسؤولين في النظام القديم وباتوا يسمون المناهضين للثورة، واعدموا رميا بالرصاص او شنقاً. كنت اقلب الصفحات المليئة احيانا بصور مرعبة لمشانق وجثث وارتعد اشمئزازا حيال المحاكمات الصورية السرية التي سبقت الاعدامات. حتى بيننا وبين انفسنا لم يكن يوجد حيز ولو هامشي للتعبير عن غضبنا. كنا نمتنع عن اظهار يأسنا من سفك الدماء. مزاجنا بعد الثورة انقلب انقلابا لا رجعة عنه نحو السوداوية…
كيف يمكن رواية وقائع العملية البطيئة التي جعلت الموت والعزاء والحزن تهيمن على كل شيء: الفضاء العام والطقوس وملخصات السير الشخصية والصحف والتلفزة؟ في ذلك الزمن لم يبدُ غريباً أو مفرطاً شعور الحماسة الاحتفالية بالشهادة وجماليات الموت".