لا تفوت المراقبين السياسيين المتابعين للوضع الداخلي والتطورات الاقليمية ملاحظة وجود تناغم في الحملات من حيث التوقيت والاهداف بين ما يسمى الاتفاق الامني بين لبنان والولايات المتحدة والتصريحات المتواصلة للرئيس الايراني محمود احمدي نجاد الاسبوع الماضي على نحو خاص التي حمل فيها على دول الخليج المنفتحة على الولايات المتحدة ودعاها الى الثورة عليها. اذ ان ثمة الكثير مما يمكن ربطه بين الموقفين بالاستناد الى خلفية واحدة هي بالنسبة الى لبنان وفق المراقبين انفسهم محاولة اقفال باب التعاون الاميركي مع لبنان وحمله على الدوران في فلك سوريا وايران. فهؤلاء يظهرون استغرابهم للحملة التي تثار من جهة واحدة بحيث تلقي ظلالا من الشك حول كونها غير سياسية في الوقت الذي يرى هؤلاء ان الامر يجب ان يكون مدعاة بحث جدي ومسؤول حيال تقديم الولايات المتحدة طلبا الى السلطات اللبنانية للتنصت على شبكات الهاتف، في حال صح ذلك، اذ ان ذلك يعني ان دولة عظمى كالولايات المتحدة تأخذ اذنا من الدولة اللبنانية في حين ان في استطاعتها عوض ذلك استخدام التقنيات التي تملك في الاقمار الاصطناعية وقواعدها العسكرية في المنطقة ثم ان في استطاعة الحكومة اللبنانية رفض هذا الطلب، في حين ان واقع الامور يشير الى احتمال التنصت من دون سؤال الدولة من اي جانب دولي او اقليمي. فضلا عن ان ايران تحاول ان توثق الصلة بين مواقفها الرسمية وما يحدث في لبنان على قاعدة اثبات ان لها امتدادات مؤثرة على البحر المتوسط وتسعى الى التباهي بقوتها ازاء الغرب على هذا الاساس من بين عوامل اخرى تماما على صورة المشهد في دمشق مع التنظيمات الفلسطينية الراديكالية و"حزب الله" في لقاءات الرئيس الايراني في العاصمة السورية قبل اسبوعين.
هل ثمة حملة منسقة هي احدى نتائج القمة الايرانية – السورية في دمشق في حضور الامين العام لـ"حزب الله" السيد حسن نصرالله وفق ما يعتقد البعض باعتبار انه ينتظر رؤية هذه النتائج تباعا؟
بالنسبة الى المراقبين انفسهم يشير مسار الامور في لبنان وخارجه بواقع مترابط ان لم يكن بالتنسيق الوثيق فعلى الاقل بخط بياني سياسي واحد يراد تظهيره في المنطقة ومن لبنان كساحة تعبير اساسية لهذا الغرض ولكن ليس بواقع المصادفة بغض النظر عما يمكن ان تؤول اليه الحملة من هنا او هناك. فحتى الامس القريب كانت قرقعة السلاح على وقع التهديدات الاسرائيلية من جهة وردود "حزب الله" ومن ورائه ايران وسوريا من جهة اخرى متصلة بتطورات الملف النووي الايراني والمخاوف من انعكاس اي اعتداء عسكري على ايران حربا على لبنان او توريطا له في شكل او في آخر. ولا يزال هذا الاحتمال واردا لو لم تتراجع نسبيا احتمالات الحرب في المدى القريب جدا. لكن الحملة في لبنان تتخذ طابعا سياسيا ولاهداف سياسية متعددة اذ انه سبق لرئيس الجمهورية ان نفى وجود اي شيء مما تثار حوله الحملات وبحث الامر على طاولة مجلس الوزراء ويفترض ان النقاش اقفل في ضوء الشروح التي قدمت في حين تستمر الحملات السياسية.
وينسحب الهدف السياسي نفسه بالنسبة الى الحملات التي يقوم بها الرئيس الايراني الذي انحسرت الى درجة كبيرة نسبة الردود على مواقفه التي لم تعد تخشى الدول العربية اثرها على الشعوب العربية من خلال تنصيب ايران نفسها المدافعة عن الحقوق الفلسطينية وان تكن لا تزال تؤثر في تنظيمات عدة. في حين ان الدول الغربية تدرج الخطاب التصعيدي لنجاد في اطار الحاجة الى تكبير حجم التهديدات الخارجية من اجل تبرير القمع الداخلي والهروب من المشاكل الداخلية التي تواجهها ايران من جهة وهي تعتقد من جهة اخرى ان النظام الايراني يحتاج الى اعداء من اجل ان يستمر وان هناك شكوكا كبيرة في امكانات استمراره في حال حصول انفراج في العلاقات بينه وبين الدول الغربية. ومع ان الخطاب العدائي لايران ضد الولايات المتحدة والغرب عموما كما ضد اسرائيل لا يمكن اعتباره خطابا جديدا خاصا باحمدي نجاد بمقدار ما هو خطاب المرجعية اية الله الخميني منذ احلال الثورة الاسلامية في ايران، فان الكلام الاستفزازي في خطاب نجاد عنصر اضافي اكثر توترا بعد حركة المعارضة التي شهدتها ايران على اثر الانتخابات الايرانية التي حملت نجاد مجددا للرئاسة. الا ان الهدف السياسي وان يكن يستهدف اكثر من عصفور بحجر واحد فهو جعل الموقف الايراني ملتبسا اكثر في موضوع الملف النووي الايراني بين سلمية ظاهرية للمشروع اقله بايحاء بوجود هدف عسكري بعيد المدى. وهذا الالتباس مقصود من جانب ايران بنية الوصول الى احد هدفين: احدهما ان هذا الالتباس يمكن ان يجعل ايران تحصل على ثمن مرتفع جدا في حال ترسيخ الاعتقاد ان لايران القدرة على تصنيع اهداف عسكرية في ملفها النووي قد يكون الصفقة الاهم خلال عقود طويلة في حال نجحت المفاوضات بين الدول الغربية وايران. والآخر هو انه في حال فشلت المفاوضات وحصلت ضربة عسكرية ضد ايران فان ايران يمكن ان تتخذ موقع الضحية وتفرض نفسها اكثر بتأثير اكبر في دول العالم الاسلامي.