#adsense

لا حركة استقلالية بلا نظرية استقلالية

حجم الخط

ضرورة الوحدتين الإسلامية ـ المسيحية والسياسية ـ الثقافية في مواجهة "الفئوية الشمولية"
لا حركة استقلالية بلا نظرية استقلالية

في الذكرى الخامسة لإنطلاقتها، وفي ظلّ جمود عالميّ وتعقيد إقليميّ ومعضلة داخلية تتمثّل بالمشروع الهيمنيّ المذهبيّ الأخير، تواجه الحركة الإستقلالية لحظة سياسية تدفعها لإستكمال برنامج "العبور إلى الدولة" باستشعار الحاجة الماسّة إلى إستراتيجية شاملة لـ"حماية لبنان"، والحماية هنا لا تصحّ إلا إن جاءت مزدوجة، من مخاطر الإنزلاق إلى حرب إقليميّة من جهة ومن مخاطر تفجّر الحرب الأهليّة من جهة أخرى، وبهذا المعنى، فإن حماية لبنان هي في الحالتين، من الإحتمالات "غير السلميّة" للمشروع الهيمنيّ الأخير، ذي الطبيعة الفئويّة والشموليّة.

إنّ منطق "العبور إلى الدولة" يحتاج إلى إستراتيجية شاملة لحمايته. هذا ما غدت تعيه الحركة الإستقلالية بمجموعها. إلا أنّ ما ينبغي أن تعيه أكثر أنّها كحركة إستقلالية بأمس الحاجة إلى إستراتيجية ذاتية شاملة لحماية نفسها، حماية وحدتها الفكرية والسياسية والشكل التنظيميّ للتحالف الجبهويّ بين أركانها والتعبيرات الميدانية لهذا التحالف الجبهويّ. فالحقّ أنّ لا حماية للبنان إلا بحماية الحركة الإستقلالية نفسها، فإن فرط عقد وحدتها الإسلامية المسيحيّة انفرط عقد الوحدة اللبنانية الإسلامية المسيحية، وإن تعطّلت قدرة هذه الحركة على العمل تعطّلت قدرة لبنان على الحياة. ليس السؤال قائماً حول وجوب الإستمرار في خط 14 آذار أو لا. السؤال قائم حول الربط بين إستمرارية خط 14 آذار وإستمرارية لبنان ككيان. إن إستمرارية 14 آذار اليوم هي خط الدفاع الأوّل عن لبنان الكيان، والشرط الأوّل لتحقّق لبنان الكيان في لبنان الدولة، والدولة الحديثة لا تكون إلا دولة لأمّة، دولة أمّة وإن تعدّدت فيها الإثنيات أو إرتبطت في مجموعها أو في أكثريّتها إلى إنتماءات وهويّات قوميّة حضاريّة أكبر.

والحماية الذاتية للحركة الإستقلالية ينبغي أن تنطلق من "الإعتراف بالواقع"، واقع الحركة الإستقلالية نفسها. فهذه الحركة تتشكّل من قوى أهليّة تقليديّة بالدرجة الأولى، في ظلّ عدم تمكّن المجتمع المدنيّ اللبنانيّ المتوهّج بين 14 شباط 2005 و14 آذار 2005، والمعبّر عن الوعي العمليّ للطبقة الوسطى المدينية، من تفعيل وتطوير قنوات وأطر التعبير الثابت عن نفسه وعن مصالحه، وعن نقاط تلاقيه ونقاط إفتراقه بل إشتباكه مع مصالح القوى الأهليّة التقليديّة.

كانت نتيجة ذلك أن وجدت الحركة الإستقلاليّة صعوبة منذ البدء في الجمع بين "النضال السياسيّ" ضدّ التعبيرات السياسيّة والأمنيّة لهذا المشروع الهيمنيّ الفئويّ الشموليّ الذي يرمز له عادة تحت مسمّى "السلاح" وبين "النضال الثقافيّ" ضدّ أيديولوجيا الممانعة التي تفرض نفسها كأيديولوجيا هيمنة مذهبية ذات أبعاد إلحاقية للكيان اللبنانيّ وتفتيتية له في الوقت عينه.

أحياناً كان "النضال السياسيّ" ضحية إعطاء الأولويّة لمنطق "النضال الثقافيّ" (كمثل يوم إعتماد منطق ثقافة حياة وثقافة موت كمعيار للثقافة والسياسة في آن، ووسط تولّي السياسيين أوّلاً مهمّة التسويق لهذا المنطق) وأحياناً كان "النضال الثقافيّ" ضحيّة لمقتضيات "النضال" أو "العمل السياسيّ" (كما في المرحلة الراهنة).

وفي جميع الحالات، ترتّب على ذلك المزيد من الإفتراق بين الحراك الإستقلاليّ من جهة، وبين المثقفين من جهة ثانية، فلم تتشكّل إنتلجنتسيا إستقلاليّة مستقلّة بذاتها، تصنع الوصل بين القوى التقليديّة الأهلية التي يتشكّل منها نسيج الحركة الإستقلاليّة. وهذا أمر يتحمّل مسؤوليته بالدرجة الأولى المثقفون الذي فترت حماستهم للحراك الإستقلاليّ بعد عامه التأسيسيّ الأوّل عام 2005، والذين بدلاً من أن يكونوا في "الطليعة الداحضة" لأيديولوجيا الممانعة كانوا أوّل المتأثّرين بإعادة تسرّب هذه الأيديولوجيا إلى صفوف الحركة الإستقلالية نفسها. إنّ التأسيس لأنتلجنتسيا إستقلاليّة تستلهم نموذج سمير قصير، وتعبّر عن ثقافة "الإستقلال الثاني" في الفكر وفي الأدب وفي الفنون جميعها، هو ضرورة لا تحتمل التسويف. إنّ السياسيين لا يدركون أحياناً أهميّة ذلك، وخطورة أيديولوجيا الممانعة حين لا يقف المثقفون والفنانون في مواجهتها.

والحال أنّ شرط إستمرارية الحركة الإستقلالية هو التمكّن، في أقرب وقت، من وعي ضرورة "الوصل" بين "النضال السياسيّ" وشروطه وبين "النضال الثقافيّ" وشروطه، على قاعدة إحترام خصوصيّة كل من المستويين، والمبادرة دائماً إلى إبتداع أساليب وطرائق جديدة للتعبير عن كل منهما على حدة، وعن وحدتهما في الوقت نفسه.

وهذا ما يعني بالدرجة الأولى وجوب الإنتقال إلى لحظة بلورة "النظريّة الإستقلاليّة العامّة"، أي النظريّة التي منها تشخص الحركة الإستقلالية مجتمعة، إلى طبيعتها وذاتها ودورها. فالحركة الإستقلالية لا تحيا بالبرنامج السياسيّ فقط دون المقدّمات النظريّة لهذا البرنامج، ولا تحيا بالبرنامج السياسي دون البرنامج الثقافي، وإلا انحسر البرنامج السياسي وصار شعارات لا أكثر، وانكفأت المناعة الحيوية بوجه الأخصام السياسيين، وبوجه أيديولوجيا الممانعة التي يتحصّن خلفها هؤلاء الأخصام، مدجّجين، فوق "السلاح المتجهّز" و"ديموغرافيا التعبئة" و"الأيديولوجيا الشموليّة"، بفرقة "الأكاديميين الشتّامين غير المهرة" التي تعيث في دنيا الفكر والأدب فساداً.

بهذا المعنى يمكن القول أنّ لا حركة إستقلالية من دون نظرية إستقلاليّة، وإن هذه النظريّة الإستقلالية هي تلك القادرة على التسويغ والجمع بين كل من "النضال السياسيّ" في خصوصيّته، و"النضال الثقافيّ" في خصوصيّته، وبين إطار إسمه القوى التقليديّة الأهليّة، وإطار آخر عنوانه المجتمع المدنيّ اللبنانيّ.

.. وإلا يفترض التعايش مع واقع أنّ أيديولوجيا الممانعة ما زالت تفرض تأثيراتها خارج إطار جمهورها المتحزّب لها، وأنّ هذه التأثيرات لها علاقة "في مكان ما"، بل في "ألف مكان"، مع الضغوطات التي تمارس على الحركة الإستقلالية في مجموعها، من أجل ضرب الطابع الإسلاميّ المسيحيّ لوحدتها الجوهريّة.

فليكن العام السادس للحركة الإستقلالية عام صياغة نظريّتها الإستقلاليّة العامّة، إنطلاقاً من كافة الوثائق المؤتمريّة وغير المؤتمريّة لقوى 14 آذار. فمجدّداً، لا حركة إستقلالية بلا نظرية إستقلالية، والنظرية الإستقلالية هي التي تعرف كيف تواجه أيديولوجيا الممانعة، وكيف تنظّر من موقع "النضال الثقافيّ" لإستقلاليّة "النضال السياسيّ"، بما يفيد بالدرجة الأولى تحسين "الموقع التفاوضيّ" للقادة السياسيين لجبهة ثورة الأرز.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل