
لعبت القيم والأخلاقيات المسيحية دورًا كبيرًا في استراتيجيات التبشير عند المسيحيين الأوائل، فكانت أعمدة القيم الاولى هي الكتاب المقدس، التقاليد والمنطق. تطور مفهوم القيم حيث اصبح من صلب الفكر اللاهوتي ولعب دورًا أساسًا في نشر الديانة المسيحية في حضارات عدة في العالم. تراجع دور هذه القيم تارة امام الاطماع السياسية وطورا امام مفهوم البراغماتيكية في محطات مختلفة في التاريخ وقد دفع المسيحيون ثمنًا باهظًا حيال هذا التراجع. ولكن الوجه الإيجابي لهذا التراجع تمثل في الوصول الى يقين ان القيم المسيحية يجب ان تبقى في صلب اي عمل سياسي-اجتماعي من اجل نجاح هذا العمل على المستوى البعيد.
اذا نظرنا الى التاريخ ما بعد المسيحية، نرى تطور البشرية نحو قيم ونظم اجتماعية لعبت فيها المسيحية دورًا بارزًا. فحقوق الانسان، حقوق المرأة، حقوق الطفل، وكل الحقوق الانسانية وحتى العلمنة ما هي الا تطبيق عملي لما أتى في العهد الجديد. يحاول المشككون مكافأة البيولوجيا الانسانية واعطائها الدور الأساسي لهذا التطور من وجهة نظر داروينية، ولكن وجهة النظر هذه تعجز عن تفسير ظواهر موجودة في المجتمعات الحالية تناقض نظريتهم. من وجهة نظر ايمانية مسيحية، نحن في طور التطور الروحي عبر هذه القيم للوصول الى الكمال الالهي، ولكن لن ندخل في البعد الروحي للقيم هنا ونكتفي بالمقاربة السياسية – الاجتماعية.
هناك ركنان أساسيان في التبشير المسيحي، الاول هو التبشير بشخص يسوع المسيح وهذا الدور الذي يكون بالإجمال من ادوار الكنيسة والجمعيات الدينية وبعض العلمانيين. والثاني وهو ادخال وتعميم القيم المسيحية في المجتمعات من دون اعطائها اي مقاربة دينية. وتهدف هذه الاستراتيجية الى تحضير الشعوب عبر هذه القيم لتقبل الإيمان المسيحي على المدى البعيد. واللاعبون الأساسيون لهذا الدور يكونون عبر الأحزاب السياسية والجمعيات المختصة. ومن هنا نرى الربط الأولي والمبدئي ما بين القيم المسيحية والسياسة. وقد أخذ هذا الربط بعدا أساسيًا إبان الثورة الفرنسية في أوروبا حيث ساهمت العلمنة بشكل كبير في حصر دور الكنيسة الأوروبية، حيث ساهم المسيحيون العلمانيون عندها بإعطاء القيم المسيحية بعدًا علمانيًا. لم يحظ هذا الدور بالزخم الحقيقي الا بعد الحرب العالمية الثانية. فنشأت الأحزاب الأوروبية العلمانية الديمقراطية المسيحية ولعبت دورا أساسيا في اعادة اللحمة الى القارة وحتى الى نشر هذه الثقافة خارج أوروبا. اما في الولايات المتحدة فلعبت القيم المسيحية دورا كبيرا في فلسفة نشوء الأمة الاميريكية المرتبطة ارتباطا عضويا بالبروتستانتية.
من هنا نرى ان من يعطى القيم المسيحية بعدًا روحيًا فقط ويؤمن بتعذر استخدامها في العمل السياسي او على الأقل وضعها كصمام أمان للعمل السياسي – الاجتماعي يكون غير مدرك لاهمية هذه القيم ويكون قد اسقط المعادلة العملية التي تقود حتمًا إلى النجاح. لعبت الأحزاب الديموقراطية المسيحية في أوروبا دورًا رائدًا واستطاعت الوصول إلى السلطة عبر نشر اجنداتها السياسية – الاجتماعية المستوحاة حتما من قيمها.
يتكلم البعض عن تراجع المسيحية في أوروبا وذلك لنظرتهم الى المسيحية من نظرة الهوية العددية. اما ان نظرنا مليًا نجد أن المسيحية الأوروبية اصبحت ذات مستوى متطور الاداء ولم تعد عبئًا إجتماعيًا على من لا يريدها كايمان، وقد تطورت القيم المسيحية لدرجة أصبح من يعيشها فقط يدعي الانتماء إليها. لست خائفًا على أوروبا بقدر ما انا خائف على المجتمعات التي تعتنق المسيحية كهوية مجتمعية من دون وضع القيم والأخلاقيات المسيحية كبوصلة لمسارها الطويل. لست خائفًا على الكنيسة في أوروبا بقدر ما انا خائف على الكنائس التي لا تشدد على أهمية الحقيقة المطلقة والقيم المطلقة بعيدا عن النسبية.