
وأخيرًا، إنتهى “المونديال”، وفازت فرنسا بالكأس الكروية، وروسيا بجرعة أنعشت إقتصادها المتهالك، وعادت بلجيكا ظافرة لبلوغها مرحلة النهائيات للمرة الأولى في تاريخها.
عاد العالم إلى همومه بعد إنشغال لشهر كامل بدوران كرة بين لاعبين يبحثون عن هدف، يصيبونه أحيانًا وغالبًا ما يخطئونه. عاد العالم إلى هواجس تقضّ المضاجع وتستبيح المشاعر بحثًا عن أمان مستقبلي. عاد كل العالم إلى حاله بإستثناء لبنان، الذي ما كاد يطفئ شاشة “المونديال” الناجح بكل المعايير والمفاعيل، أشعل شاشة مهرجانات صيف 2018 التي باشرت نقل خطاها بين مدن وقرى، من دون أن ترحم قدرات شرائية تلفظ أنفاسها بتقطع لا تقطعه بارقة أمل.
فأهل السياسة في لبنان في وادٍ وكل اللبنانيين في آخر. وفي الفاصل المتباعد يوميًا، زحمة إستحقاقات معيشية وإقتصادية لا تجد منقذًا، لتتحوّل دوامة مقفلة لا مخرج لها. وما في المقابل، إلا حفلات “زجل” سياسي تباعد ما بين أهل البيت وتفتن ما بين الأخوة لخلاف مستشرٍ حول أحجام وحصص في دولة وهمية…
لم يعد لبنان كيانًا جغرافيًا أو حتى تاريخيًا. فلا رؤية مستقبلية، ولا إستراتيجيات إقتصادية تحفظ له موقعًا لائقًا في المحفل الدولي. كل ما بات يقدمه، سياسات متقطعة وبحسب الطلب. لا يأبه لإنتقادات خارجية، ويغفل ما يرده في الداخل من مطالبات ملحّة، وكأن ما كُتب قد كُتب، ونقطة على السطر.
منذ بدأ العام 2018، أخرج السياسيون من قمقم البدع، وعودًا لحلول قالوا إنها “جذرية” للمتراكم من المشكلات والأزمات.
على عجل، أعدّوا لمؤتمر “باريس 4” وكأنه خشبة الخلاص لأزمة المالية العامة والمديونية المتنامية بإضطراد غير مبرّر إلا في القاموس اللبناني. وإنعقد “سيدر” بعد تغيير التسمية، ربما خشية من مقارنات بأخواته الثلاث اللواتي نصبن الأفخاخ للمجتمع الدولي، حين وعدن بإصلاحات بقيت أحلامًا، ونلن جزاء 40% من الأموال الممنوحة.
حضّروا للإستحقاق الإنتخابي على قاعدة قانون هجين تقاسموا من خلاله مقاعد التمثيل الذي إقتصر على الشعب وليس بإسمه. وفي النتيجة، تفيد القراءات بأن الأحزاب السياسية أحكمت سيطرتها على مقاليد الحكم وباتت هي المتحكمة بمصائر اللبنانيين وأشقائهم المقيمين قسرا بعدما ظلمهم التاريخ والجغرافيا على السواء.
وما كاد حبر التواقيع الانتخابية يجفّ مع إعلان الفائزين بدورة 2018-2022، حتى جفّ حلق اللبنانيين مع تبخّر الوعود وتطاير الأحلام التي أشبعت الناخبين وأسكرتهم حتى الثمالة. حين عاد اللبنانيون إلى “حالهم”، أيقنوا وقوعهم في الفخّ عينه: إقتصاد ينكمش يومًا بعد يوم، دين عام ينمو ومعه كلفة الدين مقابل تراجع للناتج المحلي، وعجز مالي يزيد ثقله بفعل إنعدام الرغبة السياسية في تصويب الإنحرافات عبر الإصلاح لوقف الإهدار والسرقات.
وكل ذلك، على حساب لم تحسبه جيدًا سلسلة رتب ورواتب لم تنصف أيا من أبناء المجتمع، وكهرباء ما زالت أسيرة التقنين والبواخر المستأجرة التي لامست ثالثتها أمس، شاطئ الجيه الحراري.
هرب اللبنانيون من لهيب الأزمة إلى ما يرطب القلوب لا الجيوب التي رضخت إلى ما رفع فاتورة الإنفاق قسرًا: مناخ رمضاني متوّهج مآدب ومسلسلات وبرامج موسمية، و”مونديال” رياضي فرض لقاءات جماعية في المقاهي والمطاعم إحتفاء بفوز فريق على منافس. وها هي مهرجانات الصيف التي إفتتحتها الفنانة العالمية شاكيرا، تقتحم موازنات الأسر بحثًا عن لهو ومرح على مدى شهرين لتؤكد أن اللبنانيين شعب يحب الحياة.
ماذا بعد؟
يُقال إن “أيلول طرفه بالشتي مبلول”. اليوم، تحوّلت المقولة لتحلّ الهموم ضيفة بدءا من أيلول، وتحديدًا عندما يحين الإستحقاق المدرسي، وتعود الأقساط لتقضّ مضاجع الأهل وتحدّ من طموحات إدارات المدارس بالتحديث والتطوير، وتقتل أحلام المعلمين بعيش كريم يليق بـ”مربي الأجيال”.
في تصنيف التلوّث، إحتل لبنان المرتبة الثالثة عالميًا ليسابق أكثر من 150 دولة حول العالم، نحو كارثة بيئية وصحية تسبّب بها الإهمال وزادت منها نفايات مشبوهة الأهداف، صادرت الشوارع وإقتحمت بروائحها المنازل وصدور اللبنانيين، وكمّت بعض الأفواه المطالبة، ووسّعت مطامع الحالمين بتكبير ثرواتهم من صفقات غير نظيفة. وفي آخر تقاريره، حدّد منتدى الاقتصاد العالمي موقع لبنان بين 137 دولة، في المرتبة 123 في الأخلاق والفساد، و124 في أداء القطاع العام، و134 في التزويد الكهربائي، و130 في نوعية البنى التحتية، و135 في الدين الحكومي. فهل يقبل لبنان بهذه “العلامات الحمر” وهو الحائز على ما يشبه الـ”تنويه” لحلوله في المرتبة 23 في جودة التعليم، و15 توافر العلماء والمهندسين، و32 في معدل الأعمار.
ليس عصيًا على لبنان، إن أراد، الخروج من المأزق، لكن متى توافرت الإرادة السياسية بالعمل الجاد لإصلاح ما خرّبه أهل البيت. فهل من مجيب أو راغب؟ ربما تكون فواتير الموّلدات هي أبلغ رسالة تفيد بأن التباعد لا يزال متحكمًا ما بين الشأنين العام والخاص. فحين تعلو صرخة المواطن من فاتورة موّلد تطالب بـ830 ألف ليرة لقاء إستهلاك كهربائي لشهر واحد وبطاقة 30 أمبيرًا، لا يجد سوى دعوة من مسؤول لرفع شكوى على ما يعتبره “ظلامة”… وهو يدرك في سرّه أن لا جدوى تنفع ما دام القرار لم يبصر النور بعد، وما دامت الثقة لم تسترجع ما يلزمها.
“مونديال روسيا” ومهرجانات الصيف وزحمة المغتربين وبعض السياح، لا تبلّ ريق الإقتصاد ولا تشبع الأفواه الجائعة. البلد يحتاج قرارًا حاسمًا بإصلاح كل ما تهدّم لئلا يسقط الهيكل….