.jpg)
.jpg)
خاص – “المسيرة” – واشنطن ـ العدد – 1671:
جرياً على عادته في سلوك خيارات مفاجئة في السياستين الداخلية والخارجية، خرق الرئيس الأميركي دونالد ترامب جدار التوتر في العلاقة بين بلاده وروسيا فأصدر ما يشبه حكماً ببراءة موسكو من الاتهامات في الانتخابات الرئاسية الأميركية الأخيرة التي جاءت به إلى البيت الأبيض وذلك في مسعى منه لبناء عوامل ثقة مع زعيم الكرملين، حيث أعلن عقب اجتماع مع نظيره الروسي فلاديمير بوتين، في 16 تموز الحالي، أنه لا يرى ما يدعوه لتصديق أجهزة مخابراته في شأن مسألة ما إذا كانت روسيا تدخلت لمساعدته في الفوز بالانتخابات. وقعُ «حكم البراءة» فاجأ الجميع حيث واجه ترامب ضغوطا من منتقديه ودول حليفة وصولاً إلى أبرز معاونيه، وعدد بارز من قيادات الكونغرس الأميركي الجمهوريين والديمقراطيين على حد سواء،لأنه لم يوجه أي كلمة انتقاد واحدة لموسكو عن أي من القضايا التي تسببت في وصول العلاقات بين واشنطن وموسكو إلى أدنى مستوى لها منذ الحرب الباردة. وبدلا من ذلك انتقد ما وصفه «غباء» السياسات التي انتهجتها بلاده خصوصاً لجهة قرار التحقيق في التدخل في الانتخابات.
وهكذا أثار أداء ترامب في المؤتمر الصحفي في هلسنكي موجة من الانتقادات في الولايات المتحدة حيث سعى البيت الأبيض منذ أشهر جاهدا لتبديد تلميح بأن ترامب غير مستعد للوقوف في وجه بوتين.
إذاً وبحسب مصادر مطلعة في واشنطن فإن خطوات التهدئة التي أقدم عليها الرئيس الأميركي كانت منسقة من قبل مع عدد من معاونيه في سياق تحقيق سلسلة من الإجراءات لوقف التدهور في العلاقة بين واشنطن وموسكو وهذا قد يتجلى في المرحلة المقبلة على مستويات عدة:
أولاً: تسعى إدارة الرئيس ترامب للوصول إلى تحقيق تنسيق أكبر مع روسيا على المستوى الدولي وذلك في تطبيق واضح للسياسة التي تنتهجها على هذا المستوى لجهة تراجع الولايات المتحدة عن لعب دور شرطي العالم وبالتالي إشراك معظم الدول الفاعلة لكي تساهم بدورها في وضع الخطط لمعالجة المشكلات القائمة، وبما أن روسيا تلعب في الأساس هذا الدور ومنعاً لاستفرادها في قرارات قد لا تخدم مصالح الولايات المتحدة فإن الرئيس ترامب اختار قمة هلسنكي لإذابة جليد العلاقة مع موسكو وبما يؤدي في نهاية المطاف إلى تعاون أكبر بدلاً من التنافر القائم على فرضية التدخل في الانتخابات الرئاسية، طالما أن الداخل الأميركي طوى هذه المرحلة ويتجه بعد فترة للإعداد للانتخابات المقبلة.
ثانياً: تؤكد المصادر أن تبريد التوتر في العلاقة مع موسكو الذي اختاره الرئيس ترامب، لا يلغي مبدأ التنافس أو ما يشبه العداوة التاريخية بين الدولتين بقدر ما يهدف إلى وضع خطوط واضحة في هذه العلاقة بدلاً من استفراد الجانب الروسي في ممارسة دور أحادي على المسرح الدولي مما قد يجعله في موقع متقدّم في الكثير من القضايا الحساسة، ولا سيما على صعيد الملفات المطروحة في أزمات الشرق الأوسط وتحديداً الحرب السورية، ففي موازاة القرار الأميركي بعدم التوسع في التدخل في هذه الحرب والاكتفاء فقط بالأهداف المحددة للدور الأميركي في سوريا، فإن واشنطن تسعى لتحقيق تفاهم مشترك مع موسكو حول كيفية معالجة الحرب في سوريا ووضع خواتيم لها.
تحذير خبراء
وعلى هذا الصعيد حذر عدد من خبراء السياسة والباحثين في واشنطن من أي تراجع للدور الأميركي على حساب تقدّم الدور الروسي، وأكدوا أنه يجب على الولايات المتحدة ألا تُخطئ، لأن وجود قوات أميركية صغيرة الحجم في سوريا يُعتبر مهمًا للغاية بالنسبة لأصدقاء واشنطن وأعدائها على حد سواء. فبتكلفة متواضعة ومخاطر معتدلة، تعود هذه القوات بفائدة كبيرة على الأمن القومي للولايات المتحدة. ويشكل وجود قوات أميركية محدودة العدد، ولكن فعالة، عقبة كبيرة أمام تهديدين: نهوض مجدد لتنظيم الدولة الإسلامية، وجهود إيران لاستخدام سوريا كمنصة لعرض نفوذها في صميم الشرق الأوسط العربي وضد إسرائيل.
ورأى هؤلاء الخبراء في ندوة عقدها معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى، أن هناك تردداًلدى إدارة ترامب في سوريا وفجوة متسعة بين خطابها وواقع سياستها تجاه إيران. فإعادة فرض عقوبات على طهران أمر سهل، لكنه لن يكون كافياً لقلب المكاسب التي حققتها إيران في المعارك الدائرة في الشرق الأوسط بفضل «الحرس الثوري الإسلامي»، وجيشها المتنامي من الوكلاء.
وأكدّ الخبراء في دراستهم التي قدموها تحت عنوان: «قمة ترامب – بوتين، فرصة لتصويب الوضع في سوريا» أن مقاربة «سلام القبر» التي تنتهجها موسكو وطهران حالياً لن تساهم في وقف معاناة سوريا وأحزانها – أو في الحدّ من احتمال زعزعتها لاستقرار الأردن ولبنان وأوروبا بسبب تدفق اللاجئين هرباً من العنف. وتُعتبر الوحشية الفوضوية التي يبذلها نظام الأسد لاستعادة جنوب غرب سوريا، بدعم من القوات الجوية الروسية والمقاتلين الأجانب الذين توفرهم إيران و»حزب الله»، تذكيراً مروعاً إذا دعت الحاجة إلى ذلك.
وأوضح الخبراء أن على الولايات المتحدة عدم التسليم مطلقاً وبشكل نهائي بما تقوم به روسيا في سوريا،وأن لدى واشنطن حلفاء أكثر قوة وهي تملك الوسائل لمواجهة الإيرانيين ووكلائهم من أجل رسم معالم مستقبل مختلف لسوريا. وتستطيع الولايات المتحدة تحقيق ذلك من خلال اتخاذ الخطوات التالية:
أولاً، الحفاظ على وجود عسكري أميركي – بالحجم المطلوب للمهمة معززاً بمنطقة حظر طيران/آليات للحؤول دون نهوض تنظيم «الدولة الإسلامية» – من أجل تجنب قيام القوات التي تدعمها إيران بدعم نظام الأسد المتداعي، ومنع إيران من بناء «جسر بري» إلى البحر الأبيض المتوسط.
ثانياً، التوصل إلى تفاهم مع تركيا في الشمال من شأنه السماح للولايات المتحدة وحلفائها ببسط سيطرتهم على 40 في المائة من الأراضي السورية، بما فيها القسم الأغنى بالموارد في البلاد.
ثالثاً، استهداف المصارف التي توفر الائتمانات لنظام الأسد والدعم الإيراني للوكلاء في سوريا وأتباع الأسد الذين يسهلون الاستثمارات الإيرانية في سوريا، وذلك بمساعدة الحلفاء الخليجيين للولايات المتحدة.
رابعاً، الطلب من شركاء الولايات المتحدة في الخليج توفير المساعدة إلى شمال شرق سوريا وتعزيز رفاهها الاقتصادي. ولا يقوم ذلك على تقديم المساعدات فحسب، بل يتطلب أيضاً إيجاد أسواق بديلة لصادرات النفط والزراعة في المنطقة.
خامساً، التركيز على ضرورة تطبيق كامل لقرار مجلس الأمن رقم 2254 الذي يمهد الطريق للتوصل إلى حل سياسي في سوريا.
سادساً: إبلاغ موسكو أن الولايات المتحدة ستدعم الضربات الإسرائيلية ضد الميليشيات الإيرانية/الشيعية في سوريا، الأمر الذي يرغم الروس ودمشق على الاختيار بين إبقاء نظام الأسد في السلطة أو السماح لإيران و»حزب الله» وغيرهم من وكلاء الشيعة الأجانب بالبقاء في سوريا.
ووفق هؤلاء الخبراء فإن اعتماد الولايات المتحدة على استراتيجية صحيحة في سوريا يُعتبر ضرورياً للأمن القومي الأميركي. فهي لا تتطلب قوة برية أميركية كبيرة على المدى الطويل؛ وبالفعل، كما حصل في العراق، يجب أن تكون قدرات القوات العسكرية الأميركية مصممة بطريقة تتناسب مع المتطلبات المتزايدة الماثلة أمام واشنطن. لكن يتعين على الولايات المتحدة تعويض التأخير، بما أن إيران وروسيا قد سبقتاها هناك. فإرثهما يكمن في مشهد سوريا المدمرة وملايين اللاجئين، وهو وضع يمْكِنه بسهولة التسبب في نهوض مجموعة من المتطرفين العنيفين. وفي هذا السياق فإن سوريا، التي تعمها الفوضى وتهيمن عليها إيران، تسبب تداعيات وخيمة على المنطقة وعلى الولايات المتحدة في ظل غياب أي قرار أميركي مباشر بالاستفادة من الأوراق التي بحوزة واشنطن.
تناغم ترامب – بوتين
كان حاسماً الرئيس الأميركي في إبعاد شبهة التدخل في الانتخابات الرئاسية الأميركية عن موسكو، فعندما سئل عما إذا كان يثق في أجهزة المخابرات الأميركية التي خلصت إلى أن روسيا تدخلت في انتخابات عام 2016 لمساعدته في هزيمة المرشحة الديمقراطية هيلاري كلنتون قال ترامب إنه ليس مقتنعاً.
وقال ترامب «لا أرى سببا للاعتقاد بأنها روسيا». وأضاف «الرئيس بوتين كان قويًا للغاية وحاسمًا في نفيه أي تدخل في الانتخابات».
وردا على ذلك قال مدير المخابرات الوطنية الأميركية دان كوتس الذي اختاره ترامب ووافق عليه الكونغرس في بيان «لقد كنا واضحين في تقييمنا بشأن التدخل الروسي في انتخابات 2016 وبشأن جهودهم المتواصلة والواسعة لتقويض ديمقراطيتنا وسوف نستمر في تقديم تقييمات مخابراتية واضحة وموضوعية دعما لأمننا القومي».
وبعد ساعات من قمة هلسنكي عاد ترامب وتراجع عن أبدائه الشكوك بدور أجهزة الاستخبارات الأميركية وأبدى ثقته الكبيرة في رجال مخابراته، لكنه قال «إن علاقاتنا مع روسيا لم تكن قط بمثل هذا السوء ويرجع ذلك لسنوات عديدة من الحمق والغباء الأميركي والآن هذه الحملة الظالمة المصطنعة».
وسجلت وزارة الخارجية الروسية إعجابها بمواقف ترامب وردت عليها بالقول «نحن نتفق معكم في ما تقولون».
وخلال المؤتمر الصحافي طلب الصحافيون من ترامب أن يوجه انتقادا واحدا لروسيا لكنه رفض مرارا وتكرارا. وسئل إن كان اللوم يلقى على عاتق روسيا في تدهور العلاقات فقال «أحمل البلدين المسؤولية». وأضاف «أعتقد أن الولايات المتحدة اتسمت بالحماقة. وكنا جميعا حمقى».
وأضاف «لقد هزمت هيلاري كلينتون بسهولة وهزمناها تماما… فزنا في ذلك السباق ومن العار أن تكون هناك أي شبهة ولو بسيطة في ذلك الفوز».
وامتنع ترامب أيضا عن توجيه انتقادات علنية لضم روسيا منطقة القرم الأوكرانية عام 2014 وهو ما يمثل انتصارا جيوسياسيا آخر لبوتين ضد جهود الغرب لفرض عزلة عليه.
وتحدث بوتين عن أهمية تعاون البلدين سويا وأثنى على ترامب وفي لحظة ما قطع المؤتمر الصحفي ليقدم للرئيس الأميركي كرة قدم بعد استضافة بلاده نهائيات كأس العالم لعام 2018.
وعندما سُئل إن كان يرغب في فوز ترامب بانتخابات 2016 وإنه أصدر تعليمات للمسؤولين لمساعدته قال بوتين «نعم» لكنه نفى أي تدخل قائلا إن الاتهامات محض هراء.
وأشار بوتين إلى أن بإمكان المحققين الأميركيين السفر إلى روسيا للمشاركة في استجواب الروس الذين تتهمهم واشنطن بالتدخل في الانتخابات الأميركية ما دام سيُسمح للمحققين الروس بعمل الشيء نفسه مع الجواسيس الأميركيين الذين يعملون في روسيا.
ترامب يواجه حملة انتقادات واسعة
ما أن انتهت قمة ترامب بوتين حتى أثارت مواقف الرئيس ترامب موجة عاصفة من الردود العنيفة في واشنطن، حيث اتقفت آراء الجمهوريين والديمقراطيين لجهة ضرورة عدم تراجع الولايات المتحدة أمام روسيا وتالياً عدم إسقاط الاتهامات بحق موسكو.
وفي مقدمة منتقديه كان رئيس مجلس النواب الأميركي الجمهوري بول راين، الذي أعلن صراحة أنه «لا شك في أن موسكو تدخلت في الانتخابات الأميركية عام 2016 وإن على ترامب أن يدرك أن روسيا ليست حليفتنا».
وقال رايان في بيان ”ليس هناك تكافؤ أخلاقي بين الولايات المتحدة وروسيا التي ما زالت معادية لقيمنا وافكارنا الأساسية. ويجب أن تركز الولايات المتحدة على محاسبة روسيا ووضع نهاية لهجماتها الوضيعة على الديمقراطية».
ومن جانبه قال بوب كوركر الرئيس الجمهوري للجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ إن تصريحات ترامب جعلت الولايات المتحدة تبدو كما لو كانت لقمة سائغة. وأضاف: «عندما أتيحت للرئيس ترامب الفرصة للدفاع عن أجهزة مخابراتنا التي تعمل لصالحه، أصابتني خيبة الأمل والحزن بالمقارنة التي عقدها بينها وبين ما يقوله بوتين»، وذلك في إشارة إلى استنتاجات المخابرات بأن موسكو تدخلت في الانتخابات الأميركية عام 2016 ونفي بوتين الذي قبله الرئيس ترامب.
وقال السناتور الجمهوري ليندزي غراهام إن أداء ترامب سيبعث برسالة ضعف» إلى موسكو. وأضاف: «الرئيس ترامب أضاع فرصة لمحاسبة روسيا على التدخل في انتخابات عام 2016 وتوجيه تحذير قوي يتعلق بالانتخابات القادمة. ستنظر روسيا إلى رد ترامب على أنه دلالة على الضعف وهذا الرد يخلق مشكلات أكثر مما يحل».
ووصف السناتور الجمهوري جون ماكين اجتماع ترامب مع نظيره الروسي في هلسنكي بأنه «خطأ مأساوي» وتراجع جديد للولايات المتحدة متهما ترامب بالتقاعس عن الدفاع عن بلاده. وقال: «لم يتقاعس الرئيس ترامب فحسب عن قول الحقيقة عن خصم ولكن رئيسنا الذي يتحدث باسم أميركا للعالم تقاعس عن الدفاع عن كل ما يجعلنا ما نحن عليه وهي أننا جمهورية شعب حر كرس نفسه لقضية الحرية في الداخل والخارج».
وذهب مدير المخابرات المركزية السابق جون برينان إلى أبعد من ذلك وقال إنه يجب عزل ترامب من منصبه. وأضاف أن أداء دونالد ترامب في المؤتمر الصحافي في هلسنكي يرتفع ويتجاوز حد «الجريمة الكبرى والإثم» إن لم يكن هذا أقل من الخيانة. لم يكن ترامب معتوها فحسب في تصريحاته بل كان بأكمله في جيب بوتين. أيها الجمهوريون الوطنيون: أين أنتم؟؟».
وقالت نانسي بيلوسي زعيمة الديمقراطيين في مجلس النواب «في كل يوم أسأل نفسي: ما الذي يمسكه الروس على دونالد ترامب شخصيا هل هي أمور مالية أم سياسية؟ والإجابة على هذا السؤال هي الشيء الوحيد الذي يفسر سلوكه ورفضه للوقوف بوجه بوتين».
ودعا زعيم الديمقراطيين في مجلس الشيوخ تشاك شومر إلى أن يبذل الحزبان جهدا «لزيادة» العقوبات على موسكو.
في ضوء كل ما تقدّم ينظر الكثير من الخبراء بريبة كبيرة إزاء نتائج قمة هلسنكي حيث رأوا أن الروس قد خرجوا بمكاسب كبيرة من لقاء القمة هذه ولكن ليس واضحاً ما قد حصل عليه ترامب.
للإشتراك في “المسيرة” Online:
http://www.almassira.com/subscription/signup/index
from Australia: 0415311113 or: [email protected]