#adsense

يريدون دولة معاقة ؟!

حجم الخط

ماذا فعل الرئيس ميشال سليمان لكي تتجدد الحملة التي يتعرض لها؟ وماذا فعل الرئيس سعد الحريري لكي تتكاثر الحواجز والعراقيل التي توضع في وجهه؟ وماذا فعلت قوى الأمن الداخلي لكي تصبح من جديد هدفاً للانتقاد والتجني؟ وكذلك ماذا فعلت وزيرة المال ريا الحسن لكي تُلقى قنابل "المولوتوف" في وجه مشروع الموازنة الذي أعدته قبل ان تبدأ مناقشته في البرلمان؟

أسئلة كثيرة ترتسم في ظل تجدد هذا الهجوم المتعدد الاتجاه، الذي يستهدف رئيسي الجمهورية والحكومة واستطراداً الدولة اللبنانية، التي تجهد في هذه الايام لكي ترسخ حضورها في الداخل والخارج.

واضح تماماً أن هناك قوى في المعارضة تنهمك في الحفر تحت عمارة الدولة اللبنانية، وفي محاولة نسف كل جسور "العبور الى الدولة"، وهو الشعار الذي اطلقته قوى الاكثرية كما هو معروف. ما يدعو الى الاستغراب ان هذه القوى لا تتوانى حتى في الانقلاب على مواقفها السابقة، والتنكر لكل ما اعلنته في مراحل معينة على سبيل استهداف مؤسسات الدولة اللبنانية. ولكأن هناك رغبة محلية وايحاء خارجياً في ابقاء الدولة اللبنانية في موقع الاعاقة والشلل، وهذا ما يتناقض على الأقل، مع كل ما قيل بعد اتفاق الدوحة عن الوحدة الوطنية وعن ضرورة طي صفحة الخلافات والانخراط في بناء المؤسسات واعادة الحضور اللبناني الفاعل، سواء ما يتعلق بتأمين حاجات الناس، وما أكثر هذه الحاجات، او ما يتعلق بمواجهة التهديدات الاسرائيلية والاستحقاقات الساخنة في المنطقة سلماً أو حرباً.

عندما ألقى الرئيس سليمان خطاب القسم مباشرة بعد اتفاق الدوحة، ظهر في أوساط المعارضين ما يُشبه الامتعاض من تركيزه على موضوع قيامة الدولة كمرجعية اولى وكسقف يظلل كل اللبنانيين. ومع كل تصريح أدلى به خلال زيارته الخارجية قرأ الناس تحليلات ومقالات تنطوي بشكل او آخر على نوع من الانتقاد او اللوم الذي يوجه اليه. وعندما أعلن أخيراً أن الدولة والجيش اللبناني يتحملان اولاً مسؤولية مواجهة اي عدوان اسرائيلي، تعرض أيضاً لمزيد من الانتقاد. والآن وصلت الأمور الى اعادة نبش النظريات التي سبقت انتخابه، مثل الحديث عن رئيس لفترة انتقالية مدتها سنتان، والقول ان انتخابه يتعارض مع البند الثالث من المادة 49 من الدستور، التي تشترط ان يكون قد استقال من منصبه قبل سنتين.

ولا ندري اذا كان سليمان قد صلب المسيح أخيراً عندما دعا بعد مطالبات من كل الافرقاء، الى عقد هيئة الحوار الوطني للبحث في الاستراتيجية الدفاعية المناسبة للبنان، لكن من خلال التحليلات الكثيرة والتلميحات الأكثر التي سمعناها، بدا فعلاً كأنه صلب المسيح ما دام دعا الى الحوار مباشرة بعد قمة الرئيسين بشار الاسد ومحمود احمدي نجاد التي انضم اليها السيد حسن نصر الله.

في أي حال، لم يكن غريباً أن يقف رئيس الحكومة ليقول: "ان الحملة على رئيس الجمهورية هي بمثابة لغط سياسي لا يوصل الى أي مكان، وهي بلا جدوى". لكن المستغرب ان بعض الذين يشنون هذه الحملة، تأخذهم المخيلات بعيداً، إن لجهة سحب البساط التوافقي من تحت قدمي سليمان لدفعه الى الاقتراب أكثر من قوى المعارضة، او لجهة الحلم بتقصير رئاسته وجعلها لمدة سنتين، بما يمهد لمجيء من يتلهف شوقاً وولهاً للوصول الى بعبدا.

لم يغال سعد الحريري عندما أضاف "أن رئيس الجمهورية هو رئيس كل لبنان وقام بخطوات جبارة منذ توليه المسؤولية، والحملة عليه مرفوضة لدينا". ذلك أن القصف السياسي على بعبدا يشكّل جزءاً من مهمات المرابض السياسية التي تنشط في اتجاه السرايا، وذلك عبر تعطيل عمل الحكومة والحيلولة دون الخطط الطموحة التي وضعتها لخدمة المواطن في قطاعات العمل والانتاج والنمو والظروف المعيشية.

أن ما يثير الدهشة والعجب، على سبيل المثال لا الحصر، ان الذين سبق لهم أن انتقدوا سياسة الاستدانة أيام الرئيس الشهيد رفيق الحريري، ينشطون اليوم في المطالبة بالاستدانة للحصول على مخصصات وزاراتهم، ويعارضون في الوقت عينه الزيادة على القيمة المضافة وأي نوع من أنواع الضرائب الأخرى. في حين ان الحريري يتمسك بمبدأ عدم زيادة الدين العام وبايجاد قواعد مناسبة لتمويل مشاريع الحكومة، التي تريد تأمين مطالب اللبنانيين الملحة مثل الكهرباء والماءوالطرق والمدارس والاستشفاء، وهذا أمر كان في صلب المناقشات التي اجراها الحريري مع كل القوى السياسية في اطار المشاورات لتشكيل الحكومة.
وإذا اضفنا الى كل هذا، الحملة المركزة والمستغربة على قوى الأمن الداخلي يصبح واضحاً تماماً ان المطلوب هو ابقاء الدولة اللبنانية في الاعاقة الكاملة، بحيث لا تستطيع ان تستجيب مطالب الناس ولا يشتد عود قواها العسكرية لتصبح فعلاً المظلة الوطنية، التي يقف الجميع تحتها في مواجهة العدو الاسرائيلي.

وسط كل هذا الجو السلبي المتصاعد، ليس كثيراً ان يستنتج المرء ان سياسة الانقلاب على المواقف، التي تنفذها قوى المعارضة مستمرة في كل شاردة وواردة. فلقد انقلبوا على نتائج الانتخابات، وعلى قولهم ان من يفوز يحكم. ثم انقلبوا على الف باء تشكيل حكومة الوحدة الوطنية. وها هم ينقلبون الآن على انفسهم بالحض غير المباشر على سياسة الاستدانة التي طالما انتقدوها في السابق. ومن الواضح ان الحملة على قوى الأمن الداخلي لم تتوقف يوماً، وكل ذلك على خلفية نظريات مغرضة روّج لها بعض المعارضين في السابق عندما صوروا قوى الأمن الداخلي انها جيش السنّة في لبنان وانها توضع في مواجهة الجيش اللبناني. وفي هذا السياق تتسع مرارة السخرية عندما يلاحظ المواطن ان الحملة على قوى الامن الداخلي تتجاهل كل الانجازات التي نفذتها هذه القوى، سواء لجهة مطاردة المجرمين وضبط الامن الى حد معقول في البلاد، او لجهة النجاح الكبير الذي حققه فرع المعلومات في مطاردة الجواسيس الاسرائيليين.

ملخص القول، إن هناك ما يُشبه الانقلاب على اتفاق الدوحة الذي ارادت المعارضة له ان يشكل انقلاباً على اتفاق الطائف. كما ان هناك انقلاباً يتم بالتقسيط على مبدأ قيام الدولة، مستهدفاً رئاسة الجمهورية ورئاسة الحكومة عبر سيل من الانتقادات التي تنصب على الموازنة وعلى مشاريع الحكومة الأخرى كالانتخابات البلدية والتعيينات. وكل هذا يعني ان هناك من يريد الانقلاب على فكرة الوحدة الوطنية التي طالما قرعنا طبولها.

المصدر:
النهار

خبر عاجل