عندما تشنّ في وقت واحد، حملة على رئيس الجمهورية، وعلى رئيس الحكومة، وعلى رئيس الحكومة السابق فؤاد السنيورة، وعلى عدد من الوزراء وعلى مدير عام قوى الامن الداخلي اللواء أشرف ريفي، وعلى مؤسسة قوى الأمن الداخلي، وتتزامن هذه الحملة المسعورة مع حملة مشابهة، ضد تحالف 14 آذار، صاحب الاكثرية في مجلس النواب وفي مجلس الوزراء، وضد القرار الدولي رقم 1701، وضد قيام المحكمة الدولية، فهذا يعني ان هناك حركة انقلابية، بدأت تدق ابواب النظام القائم، على يد ادوات لهذه الحركة، بعضهم معروف وظاهر، وبعضهم معروف ومستتر، وان السياسة التي اتبعها من يقف وراء هذه الحركة ومن ينفذها، والتي ألبست تمويها رداء المطالبة بالشراكة في الحكم، والوحدة الوطنية في القرار، انما في الحقيقة والواقع كانت مبنية على التقيّة، وعلى الوجهين واللسانين، وعلى التمسكن للتمكّن.
والاّ ماذا عدا مما بدا، حتى تنطلق الروبوات السياسية والاعلامية والنيابية، مفجّرة قنابل دخانية في كل اتجاه، فهنا قنبلة الدفاع عن مصالح المسيحيين، وهنا قنبلة المطالبة بصلاحيات رئيس الجمهورية، وهنا قنبلة الدفاع عن السيادة اللبنانية، وهنا قنبلة سلاح المقاومة، وهنا قنبلة المرامل والكسارات وهنا قنبلة الانتخابات البلدية بحيث تعمى عيون اللبنانيين عن الهدف الحقيقي لهذه القنابل، وهو تحقيق المخطط الموضوع منذ سنوات، والمتمثل بوضع اليد على الدولة، والاتيان برئيس جمهورية يشبه الرئيس السابق اميل لحود، ورئيس حكومة ووزراء يشبهون حكومة الرئيس عمر كرامي التي اسقطتها انتفاضة 14 آذار، ومجلس نيابي مطواع يتمتع بقدرات عجائبية بحيث يميت القوانين ويحييها في لحظات وغبّ الاوامر، اما الباقي، كالقضاء، والامن، والمخابرات، والعلاقات مع العرب والعالم، والحريات، فهي مجرد تفاصيل عندما «تركب السيبة من فوق».
هل يعقل، ان يأخذ رئيس حكومة سابق على الرئيس العماد ميشال سليمان كثرة سفراته الى الدول الصديقة والشقيقة، وهو يعرف ان في عهده، وعهد رئيس الجمهورية السابق، نبت العشب على طريق قصر بعبدا وطريق السراي الكبير، لأن كل العالم قاطع لبنان، بسبب سياسة ذلك العهد المشؤوم، ولذلك تجنّد الرئيس سليمان ليعيد لبنان الى العالم، ويعيد العالم الى لبنان، ويعطي الصورة الصحيحة الحقيقية لهذا البلد، صورة الكرامة الوطنية، وتعايش الاديان والحضارات، والقدرة على العطاء والنهوض من الكبوات، والرغبة بالسلام العادل الحقيقي، والعزم على مقاومة العدوان.
ميشال سليمان، رجل دولة بأرفع الاوسمة من الشعب، جاء رئيساً وسطياً توافقياً ديموقراطياً وطنياً، وهناك مَن يريده فئوياً منحازاً، ديكتاتوراً، مغلول اليدين، مرتبطاً بهذه الدولة او تلك.
ومن يريد اليوم ان يرشقه باتهام، فهو حتماً لن يصيب الرئيس سليمان، لأن هذا الرجل اثبت بعد سنتين من حكمه، انه فوق الشبهات، وانه لم يكذب يوماً على شعبه ولم يستغله كما فعل البعض ويفعل، وهو قال بصراحة وشفافية انه مع اطيب العلاقات مع سوريا، ومع التعاون معها الى أقصى الحدود، فهي الجارة والشقيقة الاقرب، ولكنه لم يقل يوماً، ولم يتصرّف على ان علاقته الطيبة بسوريا هي على حساب لبنان، او ان احتضانه المقاومة يجب ان يكون على حساب احزاب وفئات لها وجهات نظر تختلف عن حزب الله، وليس سراً ان الرئيس سليمان يزين خطواته وقراراته وكلماته بميزان الجوهرجي، لانه على اقتناع تام بدوره الوطني التوافقي، خصوصاً في ظل الدستور القائم، ولذلك فان الحملة عليه التي جوبهت باستنكار شعبي واسع، وبرفض وتنديد من رئيسي المجلس النيابي والحكومة، لن تصل الى خواتيمها التي يتمناها من اطلقها وتعب عليها، بل ستتحول الى زوبعة في فنجان، لان الرئيس العماد ميشال سليمان، معروف من هو، وجوقة «الردّيدة» معروف أصلها وفصلها.
* * * * *
امّا الحملة على اللواء أشرف ريفي وقوى الامن الداخلي، فمن باب تحصيل الحاصل، ان اسرائيل هي التي تقف وراءها وتغذّيها وتشجعها، وهذا امر بديهي ومفهوم، لان ما انجزته قوى الامن الداخلي في اشهر معدودة، عجزت عنه حكومات واحزاب واجهزة مخابرات منذ سنوات طويلة، ولذلك من حق اسرائيل ان تغضب على كشف عملائها وتفكيك خلاياها وانزال الهزيمة بأجهزتها التي تفتخر بأنها الافضل في العالم، امّا اذا لم تكن اسرائيل وراء الحملة، فمن المؤكد ان الارهاب الاسود يقف وراءها ووراء مخططاته الهادفة الى احباط هذه المؤسسة ودفعها الى القرف، ليرتاح هو ومجرميه، ويعود الى هوايته في قتل الناس وتفجير البلد على رؤوس اهله.
لا يمكن للتاريخ ان يمرّ مرور الكرام، عمّا حلّ بلبنان في السنوات الاخيرة، وما يحصل اليوم من اعتداء على القيم والاخلاق واضطهاد للمخلصين الاوادم.