"ننهض متوحدين أو نسقط فرادى(…) وكلفة تضامننا مهما كانت ثقيلة، تبقى أخف من كلفة تفرقنا".
جملة مكثفة تختصر كلاماً كثيراً، وتشبه تحويشة فكرية كان فلاسفة اليونان أيام عزّهم يا إخوان، أشطر من يلتقطها ويبثها بين الناس لتلخيص واقع حال قائم.
سمير فرنجية لا يشبه إلا نفسه، وكلامه مثله. واضح، شفاف ومتواضع مثل سيرة السنبلة الموصوفة، المليئة بغزارة قمحها "المدروس" على البيدر عندما ينضج.
قلة مثله، عندها هذه القدرة على التبليغ الصارخ بكل هذا الهدوء والخفر، وتلك القدرة على قول كلام عالي المستوى، بتّار وقاطع في وضوحه وصفائه، لكن بنبرة خفيفة تلامس حدود الموسيقى وترنيمة الصلاة. كأنه يعرف أن تعلية الصوت تحرك الغريزة، وهو يطمح الى تحريك العقل، وتعلية الصوت تلدغ العواطف بعصف انفعالي سريع الزوال، وهو يريد أن يخاطب المنطق البديهي والبسيط الذي يبقى تبعاً لذلك، لصيقاً بالسامع والمتلقي، لأنه لصيق بواقعه ورجاه وأسراره.
في المحطات السياسية الحساسة يا إخوان، يكثر الكلام التأويلي، والشرح والتفصيل لتبرير هذه وتلك من الوقفات والتصريحات، ولتقديم بيان للناس يرد على أسئلتها، ويهدئ من روعها، ويحاول مداواة ومداراة قلقها. وفي المحطات السياسية الحساسة والتغييرية، يصبح ذلك النوع من الشرح والبيان مطلوباً بحكم الضرورة وطبيعة الأمور، باعتبار أن الواقعية السياسية مدرسة بفصل واحد، وكتاب واحد، والتلميذ الناجح فيها لا يستطيع أن يغش. وتبعاً لذلك فإن أصدق الكلام هو ذلك الآتي من تلك المدرسة. يلصق ويدوم وينخرط في الرأس من دون كثير عناء. ودائماً، دائماً، تترافق البساطة في تلخيص التعقيد مع ذكاء وقّاد لا يُحسد أحد في الدنيا إلا أصحابه.
… جملة بسيطة في شكلها، مكتملة السبك والبنيان قالها سمير فرنجية وبقي في مكانه، غير مدرك ربما أنه حرّك الكثير من الأسئلة والشؤون والشجون، ودفع التأويل الى مصاف الإبداع.
أستاذ في مدرسة الزمان، جعل الحكي في السياسة درساً دائماً في أصول الحكمة وفصولها، وهو من دون شك، جعلني مقيماً على يقيني بأنني في بلد الأرز، أحمل هوية مزنّرة بالفل والياسمين وبأمثال أناس مثل سمير بيك فرنجية..