#adsense

هجوم لبناني على موسكو ماذا بعد زيارات الحريري وباسيل وجنبلاط وإرسلان؟

حجم الخط

 

كتب فادي عيد في مجلة “المسيرة”- العدد 1675:

“إستوقف الحراك السياسي اللبناني في العاصمة الروسية الأوساط السياسية التي رأت أنه يتمحور حول أزمة النازحين السوريين في دول الجوار السوري من حيث الشكل، وإنما يستهدف أيضاً عناوين لبنانية داخلية من حيث المضمون، وفي مقدّمها العنوان الحكومي، تزامناً مع احتدام التوتر على خط العاملين على هذا الملف، وانعدام أي فرص إيجابية في المرحلة الراهنة. ولم يبدأ الحراك اللبناني في موسكو مع زيارة وزير الخارجية في حكومة تصريف الأعمال جبران باسيل حيث التقى نظيره الروسي، ولقاءات موفد الرئيس المكلّف سعد الحريري ومستشاره جورج شعبان مع مسؤولين روس، بل مع الزيارة الأخيرة للوزير طلال إرسلان، وقبلها رئيس «اللقاء الديمقراطي» النائب تيمور جنبلاط، ولو اختلفت الملفات التي حملها الزائران الخصمان اللذان طرحا مواضيع إقليمية، إضافة إلى المواضيع السياسية اللبنانية.

 

تعتبر الأوساط المراقبة، أن حركة المشاورات اللبنانية ـ الروسية، انطلقت مع المبادرة الرسمية الروسية من أجل إعادة النازحين السوريين إلى بلدهم، ولكنها تعكس مناخاً مستجدّاً على الساحة المحلية، يضع فيه الجانب الروسي ثقلاً سياسياً لافتاً ومؤثّراً في الروزنامة الداخلية، خصوصاً وأن ملف النازحين عاد ليحتلّ صدارة الإهتمامات في بيروت بعد تراجع التوقّعات بإمكان حصول تسوية تؤدي إلى إخراج عملية تأليف الحكومة العتيدة من نفق المراوحة والتعطيل.

وعلى الرغم من استمرار موسكو في مبادرتها من أجل إعادة النازحين إلى وطنهم، فإن الأوساط نفسها، تحدّثت عن تجميد، أو على الأقلّ، تأجيل لأي تحرّك على المستوى الأممي أو الدولي لمقاربة هذا الملف في الوقت الراهن، وذلك بسبب الإنشغال الدولي بالتطوّرات العسكرية الميدانية على الساحتين السورية واليمنية، وبالتالي، تراجع الإهتمام من قبل العاصمتين الروسية والأميركية على حدّ سواء بعودة السوريين، لمصلحة التركيز على ساحات المواجهة المفتوحة بين حلفاء الطرفين في منطقة الشرق الأوسط. وفي هذا المجال، تأتي القراءة الديبلوماسية لما يقوم به مسؤولون لبنانيون من لقاءات في موسكو، ولو كانت الأهداف منها تتضارب في ما بينها، وتمثّل ترجمة واضحة للخلافات المحلية سواء على صعيد الصراع في الشارع الدرزي، أو على صعيد التوتّر المكتوم في العلاقة مع الرئيس المكلّف سعد الحريري، الذي كان زار موسكو في حزيران الماضي، وعرض مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين المستجدّات في لبنان وتطوّرات الوضع في العراق وسوريا واليمن، وذلك على هامش حضوره مباريات كأس العالم لكرة القدم والتي كانت تستضيفها موسكو، إلى جانب بوتين وولي العهد السعودي محمد بن سلمان.

وإذا كان الهدف من زيارات «الحج» اللبناني إلى موسكو، تثبيت قواعد العلاقة لكل طرف سياسي مع القيادة الروسية، فإن الأوساط الديبلوماسية وجدت أن الإهتمام الروسي بالوضع اللبناني يندرج في إطار الحرص على استمرار الحضور الديبلوماسي الروسي في عواصم المنطقة، وليس فقط على الساحة السورية، وذلك في الوقت الذي تدور فيه السياسة الأميركية في الشرق الأوسط في فلك جديد، بحيث تستهدف التصعيد السياسي من خلال الحصار الإقتصادي والمالي لخصومها، من خلال العقوبات والمواقف وصولاً إلى المواجهة المفتوحة، بصرف النظر عن أية اعتبارات أخرى، وبالتالي، إهمال كل ما كان قد جرى التوافق عليه في قمة هلسنكي الأخيرة بين الرئيسين الأميركي دونالد ترامب، والروسي فلاديمير بوتين.

وقالت هذه الأوساط، أن روسيا تسعى لأن تكون في قلب المعادلة السياسية في لبنان من بوابة عودة النازحين، كما من بوابة تأليف الحكومة، والذي بات يحضر في اللقاءات والمحادثات التي يجريها المسؤولون اللبنانيون الذين زاروا وسيزورون موسكو، كما حصل بالنسبة للوزير إرسلان والنائب جنبلاط، وذلك، في الوقت الذي تابع فيه مستشار الرئيس الحريري جورج شعبان عرض ملف النازحين السوريين والإشكالات المحيطة بملف العلاقات ما بين الرئيس الحريري ودمشق.

وفي هذا المجال، فإن التعاون السياسي ما بين موسكو وبيروت من خلال توحيد الجهود من أجل تأمين الظروف المناسبة لعودة النازحين السوريين، يشكّل عنواناً ملحّاً لدى العاصمتين، ولو من زوايا مختلفة، إذ أن الأوساط ذاتها، ترى أن الرئيس الحريري يحرص على الإمساك بهذا الملف من خلال التنسيق المباشر مع روسيا وليس مع سوريا، بينما في المقابل، يسعى الجانب الروسي إلى تعزيز نفوذه في المنطقة، وليس فقط في سوريا، من خلال تولّي الديبلوماسية الروسية ملف النازحين السوريين. وبنتيجة هذه المعطيات، فقد بات جلياً تنامي الدور الروسي في لبنان والمنطقة، هذا الدور الذي اضمحلّ لسنوات طويلة بعد انهيار الإتحاد السوفياتي.

وثمة تساؤلات اليوم عن هذا الدور، وعن علاقات الروس مع المسؤولين اللبنانيين، وعلى وجه الخصوص العلاقة مع الزعامات والقيادات الدرزية، بعد التحوّلات الأخيرة في السياسة الروسية مع المسؤولين اللبنانيين، ربطاً بالمتغيّرات اللبنانية التي حصلت إثر اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري، والإصطفافات السياسية الداخلية، ولا سيما بين معسكري 8 و14 آذار، إذ بدا الروس ميّالين وداعمين ومتحالفين مع فريق الثامن من آذار المتحالف بدوره مع النظام السوري والجمهورية الإسلامية الإيرانية.

من جهة أخرى، بدأ الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، وقبل الحرب السورية، يستعيد نفوذ موسكو في المنطقة، وفي دول عديدة، لا سيما وأن ما دفعه إلى الإنخراط بشكل كلي في الحرب السورية، إنما يعود إلى خسارته ليبيا وقبلها العراق، إلى ما يحصل في اليمن، فكانت المخاوف بأن تسقط سوريا في قبضة الأميركيين، على غرار ما حصل في العراق، وفي مصر ولبنان، حيث استطاعت الإدارة الأميركية تدوير الزوايا اللبنانية وإقامة أفضل العلاقات في مرحلة استعادة السيادة والإستقلال وطرد الوصاية السورية، وذلك مع زعامات وقيادات محسوبة تاريخياً على موسكو، وفي طليعتها النائب السابق وليد جنبلاط.

الصراع الدرزي في عهدة بوغدانوف

وربطاً بما جرى من حراك سياسي باتجاه موسكو، فإن الأنظار توجهت باتجاه الساحة الدرزية، التي شهدت لقاءاً جمع رئيس «اللقاء الديمقراطي» تيمور جنبلاط على رأس وفد إشتراكي، مع نائب وزير الخارجية الروسي ومبعوث الرئيس بوتين إلى المنطقة ميخائيل بوغدانوف، والذي يعتبر من أكثر الشخصيات الروسية في هذه المرحلة معرفة بالملف اللبناني، وهو أيضاً على صداقة قديمة تعود إلى حقبة الثمانينات مع زعيم المختارة.

وحول زيارة الوفد الإشتراكي إلى العاصمة الروسية، تقول مصادر في «اللقاء الديمقراطي» لـ»النجوى ـ المسيرة»، إن «هذه الزيارة تندرج بداية في إطار العلاقات التاريخية بين الحزب والعاصمة الروسية، وثمة صداقات قديمة العهد لا زالت مستمرة، وإن مرّت هذه العلاقة في فترة شابها الفتور، إلا أنها، وفي الوقت الحالي، ممتازة والتواصل مستمر وقائم، وإن كان هناك اختلاف في وجهات النظر حول النظرة إلى النظام السوري وعناوين أخرى». وكشفت المصادر أن «زيارة رئيس «اللقاء الديمقراطي» تيمور جنبلاط إلى موسكو، اتّسمت بالإيجابية، ونتائجها كانت أكثر من ممتازة، حيث تركّز البحث، وتحديداً مع صديق الحزب نائب وزير الخارجية ميخائيل بوغدانوف، على الملف السوري من زاوية المجزرة البشعة التي حصلت في منطقة السويداء، إذ طلب وفد الحزب برئاسة تيمور جنبلاط، من المسؤولين الروس، وتحديداً من بوغدانوف، توفير الحماية الروسية لأبناء جبل العرب، وتأمين المظلة الآمنة لهم في ضوء ما يجري في سوريا من حرب لها تداعياتها وانعكاساتها وتصفية حسابات، آملاً بأن لا يقحم النظام السوري نفسه من خلال إنتقامات تطاول الذين رفضوا الخدمة العسكرية من أبناء محافظة السويداء، وأولئك الذين رفضوا مقاتلة إخوانهم، كذلك، تمنى الوفد على بوغدانوف السعي عبر دور فاعل لإطلاق المخطوفين الدروز لدى تنظيم «داعش»».

أما على صعيد العلاقة بين الحزب التقدمي والقيادة الروسية، تابعت المصادر في «اللقاء الديمقراطي» أنه «جرى عرض لتلك الصداقات والتحالفات وما جمع المختارة بموسكو من تاريخ مجيد على كل المستويات، وجرى الإتفاق على ضرورة مواصلة البحث بما يحصل على الساحتين اللبنانيةوالسورية، لا سيما في جبل الدروز». وخرج الوفد الإشتراكي من هذا اللقاء بارتياح تام، وحيث تنفي المصادر، أن يكون تم التطرّق لما يسمى ب»العقدة الدرزية» أو العقبة بوجه تشكيل الحكومة العتيدة، فهذه المسألة لم يتم التطرّق إليها لا من قريب ولا من بعيد.

علاقات مستجدة بين موسكو وخلدة

أما في المقلب الآخر، أي العلاقات المستجدة والآخذة في التطوّر بين موسكو ودارة خلدة أو مع الزعامة الإرسلانية، هنا لا بد من الإشارة إلى أن هذه العلاقة عمرها سنوات معدودة، وجاءت في سياق مرحلة الإصطفافات السياسية بين الأفرقاء اللبنانيين منذ ما بعد العام 2005، بحيث بدأت تُنسج علاقة بين الحزب «الديمقراطي اللبناني» والقيادة الروسية، وربّ قائل هنا، بأن الروس، وبعدما ابتعد عنهم الزعيم الجنبلاطي الحليف التاريخي، والذي أقام علاقات وثيقة مع الأميركييين في تلك المرحلة، وكانت له زيارات إلى الولايات المتحدة الأميركية، وإن أراد أن يبقي على صداقاته مع الروس، على اعتبار أن المختارة مشهود لها بالوفاء لحلفائها واصدقائها، فذلك لم يَرُق لموسكو التي أرادت أن يكون لها موطئ قدم على الساحة الدرزية كاسرة آحادية العلاقة مع المختارة، فوجّهت دعوة لإرسلان لزيارة العاصمة الروسية، وحيث عُلم أنها قدّمت منحاً دراسية، وإن بأعداد محدودة للحزب «الديمقراطي»، وبالتالي استقبلت إرسلان بحفاوة بالغة، وذلك يعتبر بمثابة رسالة ذات معنى لجنبلاط، مع الإشارة إلى أن موسكو، وفي مرحلة الخلافات السياسية مع المختارة، استمرّت على تقليدها بزيارة طاقم السفارة لضريح كمال جنبلاط أبرز أصدقاءها.

أما عن زيارة إرسلان إلى موسكو، تقول مصادر الحزب «الديمقراطي اللبناني» إن «هذه الزيارة ليست ردّاً على زيارة وفد الحزب التقدمي الإشتراكي، بل هي تأتي في سياق العلاقة الصادقة والمتينة بين إرسلان والقيادة الروسية، والتي ظهرت بوضوح إثر اللقاءات التي أجراها رئيس الحزب مع عدد من المسؤولين الروس، وما تمديد زيارته إلى العاصمة الروسية، إلا دليلاً على ما وصلت إليه هذه العلاقة من مودّة وتعاون وتوافق حيال كل الملفات السياسية وسواها». وعن مواضيع البحث، تقول المصادر نفسها إن «إرسلان شكر القيادة الروسية وعلى رأسها الرئيس فلاديمير بوتين، على ما قامت به في سوريا من دعم للرئيس بشار الأسد، والجيش السوري في اجتثاث الإرهاب من «داعش» و»النصرة» و»الجيش السوري الحر» و»جند الشام» وسواهم، مثنياً على هذا الدور وعلى كل ما قامت به في سوريا والمنطقة من دعم للشعوب في مكافحة الإرهاب».

مصادر ديبلوماسية روسية: منفتحون على جميع اللبنانيين

أما ماذا يقول الروس بشأن هذا الدور الروسي الفاعل على الساحة اللبنانية، ولا سيما اللقاءات مع قيادات درزية متخاصمة ومتناحرة سياسياً، خصوصاً بعد التصعيد الإرسلاني تجاه المختارة و»اللقاء الديمقراطي» والدفاع المستميت عن النظام السوري، فإن مصادر ديبلوماسية روسية في بيروت لا ترغب بالدخول في هذه التفاصيل بين المسؤولين اللبنانيين والطوائف كافة، بل تؤكد على صداقاتها مع سائر اللبنانيين وانفتاحها على الجميع من  دون أي تدخّلات في الشأن الداخلي اللبناني، «وأن الزيارات التي يقوم بها بعض المسؤولين اللبنانيين إلى موسكو إنما هي في سياق الصداقات القديمة مع البعض، والإنفتاح والتواصل مع قوى أخرى، وأبواب موسكو لم تُغلق أمام أي مكوّن لبناني، وعليه، فإن عناوين البحث تصبّ في المحصّلة بكل ما يعود بالخير إلى لبنان، وفي غضون ذلك، فموسكو على تواصل وتعاون وثيق مع الدولة اللبنانية والحكومة، وهناك تبادل وتعاون ثقافي وتوجّه لتفعيل كل هذه الإتفاقات في إطار الروابط الوثيقة والإحترام المتبادل بين البلدين».

وتنفي المصادر نفسها، أي تدخّلات روسية مع هذه الجهة السياسية على حساب تلك، أو أنها بصدد تقديم النصح والتدخّل حول تأليف الحكومة وشؤون لبنانية أخرى، بل أن البحث مع المسؤولين اللبنانيين ينصبّ في إطار تعاون المؤسّسات الرسمية والتعاون المشترك في كل ما يؤدي إلى الأمن في المنطقة واستقرارها ومكافحة الإرهاب، وحيث موسكو جاهزة لدعم الجيش اللبناني والقوى الأمنية.

وأخيراً، وعلى خط موازٍ، وفي غمرة السباق الدرزي باتجاه موسكو، والتصعيد الإرسلاني السياسي، والذي تنامى في الآونة الأخيرة، وحيث ثمة من يقول في مجالسه الخاصة بأن وزير المهجرين زار سوريا والتقى الرئيس بشار الأسد، وهو الذي رتّب له زيارة موسكو الأخيرة، يشار هنا إلى علاقة وصداقة تربط رئيس الحكومة المكلّف سعد الحريري بالرئيس الروسي فلاديمير بوتين، وهي امتداد لعلاقة والده مع الرئيس الروسي، فإنه، أي الرئيس المكلّف، وفي خضم ما تقوم به موسكو من دور أساسي في سوريا، فذلك ما استدعى قيام مستشاره للشؤون الروسية جورج شعبان بزيارة موسكو، واجتماعه إلى نائب وزير الخارجية ميخائيل بوغدانوف، للوقوف على تفاصيل الدور الروسي في سوريا، ولا سيما مسألة النازحين إلى ملفات وقضايا أخرى، على اعتبار أن موسكو بإمكانها أن تتفهّم خصوصية الحريري تجاه سوريا، وما يتعرّض له من حملات وانتقادات لدفعه للتنسيق معها، وهي التي، أي روسيا، تمسك بالقرارين السياسي والعسكري في سوريا”.

 

 

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

 

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل