الوقت دائماً خير كاشف لبواطن الامور وصدق النوايا وصحة الشعارات، فإنضمام العماد المنفي ميشال عون الى صفوف قوى "14 آذار" في ربيع الـ 2005 لم يكن سوى تكتي وبالتوازي والتزامن مع إنضمامه الخفي والتدريجي الى قوى "شكراً سوريا".يومذاك كان إنضواؤه في صفوف "ثورة الارز" حتمياً، فهو مجبر على مجاراة هذه الثورة التي كانت من ضمن "التيار السيادي" الذي مهّد لها خلال سنوات الاحتلال السوري والذي ضمّ ايضاً "القوات اللبنانية" وقرنة شهوان" و"حزب الكتائب" وحزب الاحرار"، ولم يكن بإستطاعته القيام بانعطافة حادة في خياراته السياسية والتحول فجائياً 180 درجة من محارب لـ "سلاح حزب الله ومشروعه الاسلامي" ومحرضاً مع باقي اطراف "التيار السيادي" في المحافل الدولية وعواصم القرار ضد الاحتلال السوري – وقانون محاسبة سوريا والقرار 1559 خير دليل – الى مقاوم شرس للمجتمع الدولي وقرارته ومدافع عن "السلاح الالهي" في وجه "الشر الصهيوني" وانحياز الامم المتحدة ومبشر بصوابية حلف الممانعة السوري – الايراني.
فهكذا إنعطافة في ربيع الـ 2005 ستكون حادة جدة وستحجّم بشكل كبير "تسونامي الاقتراع" في الانتخابات النيابية ما يحول دون حصده القسم الاكبر من اصوات المسيحيين ومن مقاعدهم النيابية وبالتالي التحضير لمعركته المفتوحة منذ العام 1988 وربما منذ توليه قيادة الجيش وهي الوصول الى رئاسة الجمهورية. لذا عمد عون الى فتح قنوات مباشرة مع السوريين من منفاه الباريسي مهّدت لعودته في 7 ايار 2005 اي قبل الاستحقاق الانتخابي في سيناريو مدروس ليكون "حصان طروادة" السوريين.
ومع إقفال صناديق الاقتراع، بدأ عون إنقلابه على شعاراته وجمهوره وليس على مبادئه وأتباعه – لأن مبدأه كان دوماً الوصول الى السلطة وأتباعه هم اسرى الشخص – لينتهي مع توقيع وثيقة التفاهم مع "حزب الله" "ورقة براءة ذمة" لـ"الحزب" ومغامراته الداخلية والخارجية. فهل نسيتم "جسر بالطالع جسر بالنازل فدى السيد" في حرب تموز و"7 أيار ليست سوى دفاعاً عن النفس" في غزوة 7 ايار و" حزب الله لم يدخل في الحرب الاهلية وتاريخه مشرف"؟! وتوّج إنقلابه بنزع القناع "بطل التحرير" والانضمام الى "لائحة التبعية لسوريا" عبر إنفتاحه المدروس والعشوائي في آن: مدروس في ما يتعلق بمشروعه الاستراتيجي الوصول الى بعبدا وعشوائي لأنه "جيّر" لها كل اورقه بشكل عشوائي وقبل أن يضمن ورقة الرئاسة، كذلك دخوله الى نادي "مشجعي الجمهورية الاسلامية الايرانية" في لبنان وإنكبابه على تبشير اللبنانيين بـ"نظافة" شوراع طهران وديمقراطية الولي الفقيه الحريص على حقوق الاقليات في بلاد فارس.
إلا أن حسابات عون الرئاسية لم تكن صائبة كالعادة، فتبين ان إنفتاحه كان إنفتاح َ"مهووس" وليس إنفتاحاً مدروساً، فحصد الفشل في التربع على كرسي بعبدا كما جرى بعد ذهابه الى تونس العام 1988 حين عاد ليخوض معركة "14 شباط" علها تؤهل لمرتبة رئيس أو حين خاض "حرب التحرير" لتنقلب بعدها الى "حرب إلغاء" علها تكون جواز سفر له قصر بعبدا.
وفي فترة الفراغ الرئاسي الممد مع إنتهاء الولاية الصورية لاميل لحود، وفي خضم السباق الى بعبدا، أعلن عون حربه على كل "مشروع رئيس" وفي مقدمهم قائد الجيش يومها ميشال سليمان الذي راحت أسهمه ترتفع تدريجاً بحكومة الظروف الاقليمية والتوزانات الداخلية التي حكمت اللعبة. فاعلن عون في 13 تموز 2007 انه "ربما المفتاح لحل الأزمة لأنني مستقل ولأنني رجل حر ولا عاصمة أجنبية خلفي، يمكنني أن أكون الجسر بين جميع الأطراف"، وفي الموقف نفسه أطلق النار على سليمان من دون ان يسميه بقوله: "لا يجب انتخاب رئيس توافقي ضعيف نتيجة تسوية بين المعارضة والاكثرية فذلك سيؤدي الى مزيد من التدهور وانعدام الاستقرار وسيدمر البلد".
وعندما شعر عون أن حظوظ ميشال سليمان اصبحت جدية وكبيرة، فتحفظ قوى "14 آذار" الاساسي كان على وصول عسكري الى السلطة وليس على شخص ميشال سليمان وأنها ترفض تعديل الدستور ولكن إن كان هذا هو الثمن للخروج من ازمة الفراغ الرئاسي ولن تعيق الحل وأن حلفاءه في قوى "8 آذار" أشبعوه دعماً كلامياً في معركته الرئاسية ولكنه في حقيقة امرهم يتخوفون من "إضطرابات عون السياسية" وقرارهم في دمشق، وهذه الاخيرة لم تعد الامر الناهي في المعارك الرئاسية في لبنان وموازين القوى لم تكن لصالحها بقدر يمكنها من الحسم، طرح عون في 29 تشرين الثاني 2007 معادلة: "أؤيد ترشيح قائد الجيش العماد ميشال سليمان لرئاسة الجمهورية على أساس المبادرة التي طرحتها الأسبوع الماضي فيكون سليمان رئيساً لسنتين ويسمي الحريري رئيساً حيادياً للحكومة"، لعلمه المسبق برفض سليمان الدخول في هكذا بزارات. وكان عون الوحيد خلال إجتماع فينيسيا عشية السفر الى قطر على وقع انقلاب 7 ايار المتحفظ على بحث مسألة الرئيس والرافض ضمناً لانتخاب سليمان". وإنتهى الاتفاق في الدوحة الى إنتخاب العماد ميشال سليمان رئيساً للجمهورية.
في 25 ايار 2010 ينهي ميشال سليمان سنته الثانية رئيساً للجمهورية، ومنذ اليوم الاول لوصوله الى قصر بعبدا تحن سوريا الى زمن اميل لحود. والمشهد امام السفارة الاميركية في عوكر في كانون الثاني 2009 عشية اجتماع الرياض والقمة العربية في الكويت حيث علت صيحات "جمهور المقاومة والممانعة" داعية للعودة إلى عهد لحود "عهد الرئيس المكاوم" وعهد التبعية متهمة سليمان بـ"العمالة للاميركان" خير دليل. وكذلك يكدّ عون ويجهد لتقديم "امر الطاعة" ونيل "شهدات حسن سلوك" قد تساعده على إحياء معادلة السنتين، فيقطع بذلك عهد سليمان ويتسلل الى بعبدا.
سوريا، وكعادتها تتقن "سياسة العصا والجزرة"، لذا يبدو انها تستفيد من إعادة التموضع الجنبلاطية وتلوّح بعصاها "الغليظة" بوجه سليمان عبر الحملة المبرمجة التي يتعرض لها منذ فترة – خصوصاً بعد مشهد احمدي نجاد – الاسد – نصرالله في دمشق – والتي بلغت حد دعوة صنيعتها وئام وهاب من الرابية الى إستقالة سليمان وسط صمت سوري رسمي مطبق بشأن هذه الحملة مترافق مع تسريبات عبر الادوات الاعلامية لنظام البعث في سوريا ولبنان، آخرها ما صدر في صحيفة السفير تاريخ 22-3-2010 عن "نصيحة على شكل تمنّ بأن يعيد رئيس الجمهورية قراءة الوقائع بصورة مبسطة، وأن يضع هذه المسألة في حجمها الطبيعي، وعدم تكبيرها اكثر من "حملة محبة" كما سماها الرئيس نبيه بري على باب القصر الجمهوري. وأما جوهر النصيحة فهو انه كلما تعامل رئيس الجمهورية مع هذه المسألة بمنطق استيعابي، خرج رابحا وبأقل الاضرار" (لقراءة المقال إضغط هنا). اما "الجزرة" السورية، فجاءت بدفاع بري عن سليمان ومسارعة عون الى التخفيف من اهمية اطلاق وهاب لكلامه من الرابية.
والمهزلة ان قوى سوريا في لبنان تحاول في معرض تخفيفها هذا، نقل الهجمة باتجاه قوى "14 آذار" و"القوات اللبنانية" ، وتسعى الى تشبيه الملاحظات التي اطلقها الدكتور سمير جعجع بشأن نهج الرئيس من باب الحرص على نهجه الوسطي وللحد من الضغوط الشرسة من قوى "8 آذار" عليه بالمطالبة باستقالته. وفي هذا الاطار نشر مقال على موقع "التيار العوني" الالكتروني تحت عنوان "لماذا يدافع تجمع 14 آذار عن رئيس لائحة بشار لحكم لبنان؟". (لقراءة الخبر إضغط هنا)
ولكن حملة "فل" ضد رئيس "صنع في دمشق" لا يجوز مقارنتها بحملة ضد رئيس حصد توافقاً لبنانياً وعربياً ودولياً، و" ضرب المندل" الذي اعتاد عليه إعلام "8 آذار" لم يعد ينطلي على احد لان الصندوقة وحدها كاتمة اسرار الاوراق البيض، ومفردات الدكتور جعجع لم تكن يوماً "تحت الزنار" أو تتخطى حدود النقد السياسي الى التجريح الشخصي ولم يهدف يوماً الى ضرب المؤسسات الدستورية وفي طليعتها الرئاسة الاولى بل حمايتها من تهديدات قوى "8 آذار" وراعيها الاقليمي، وهو مشهد مناقض تماماً للحملة المبرمجة على رئيس البلاد اليوم، والاكيد انهم لن ينجحوا في قلب الادوار.