زيارة السفير السوري علي عبد الكريم علي السرايا يوم الجمعة الماضي، ثم القصر الجمهوري اول من امس، وضعتا نقاطا ضرورية ومهمة على حروف العلاقة السورية مع الرئيس ميشال سليمان وسعد الحريري.
فإذا كان تحرك السفير يمثل تفعيلا ايجابيا للعلاقة الديبلوماسية بين البلدين، فانه يشكل ايضا ما يشبه رفع الغطاء عن بعض الذين نصّبوا انفسهم متحدثين بلسان دمشق او امناء سر على ما تريده أو تحسّه حيال لبنان والمسؤولين فيه!
الامر هنا لا يحتاج الى كثير من الشرح. فقد ارتفعت وتيرة الانتقاد الموجه الى الرئيس سليمان، لتصل الى حد المطالبة باستقالته. برزت هذه الحملة في التصريحات المتعمدة التي ادلى بها بعض من الذين يريدون الايحاء دائما، انهم يحملون كلمة السر السورية، وانهم غالبا ما يؤشرون لاتجاهات الريح في دمشق. ثم انطلقت التحليلات والاجتهادات لتصل الى حد التبشير بتقصير ولاية سليمان الى سنتين. وبدا واضحا ان كل هذا ليس اكثر من هجوم جديد يُشن على محور بعبدا بهدف شل الدولة وتعطيل سلطاتها ومسيرتها.
❑ ❑ ❑
وعندما يصعد السفير السوري ليقول من بعبدا ان "لبنان المعافى مصلحة لسوريا، وهناك دور رئيسي لرئيس الجمهورية في الحفاظ على لبنان المعافى، وان لا علاقة لسوريا بالحملة على سليمان، واذا كان لديها ملاحظة فستقولها مباشرة لا بالواسطة"، فان ذلك يدفع الكثيرين الى الافتراض ان دمشق سحبت الغطاء او اسقطت الوكالة عن بعض الذين انخرطوا في الحملة ضد سليمان، ربما بعدما ادت هذه الحملة غرضها عبر ما خلقته من ارتياب!
كذلك شكلت زيارة مستشار قائد الثورة الايرانية الدكتور كمال خرازي الرئيس سليمان، وابلاغه تأييد طهران وتنويهها بالدور الذي يؤديه لترسيخ الاستقرار السياسي والامني والاقتصادي، رفعاً اضافياً للغطاء عن بعض اولئك الذين يتعمّدون الايحاء انهم يحملون أختام جبهة الصمود والتصدي.
ولكن هل يعني هذا ان دور هؤلاء المقاولين ينحسر او يتراجع؟
ليس بالضرورة، على الاقل لان ثمة حاجة الى ابقاء منسوب الارتياب مرتفعا عند الرئيسين ميشال سليمان وسعد الحريري، بحيث يسهل دفع مفهوم التوافقية في بعبدا الى مناخات اقرب الى الخط البياني لسياسة 8 آذار وجعل مفهوم الوحدة الوطنية في الحكومة اقرب الى تعريفات المعارضة ومفاهيمها.
نقول هذا لان العلاقة بين الرئيس الحريري ودمشق كانت موضع تحليلات وتقارير ظهرت تباعا في الوسائل الاعلامية المعارضة، وحاولت دائما الايحاء ان الحريري لا يبذل جهودا كافية لضبط الايقاع السياسي والاعلامي في "14 آذار" وفق المعايير التي تناسب قواعد العلاقة الشخصية بينه وبين الرئيس بشار الاسد، والتي يفرضها جو التفاهم، الذي ميز زيارة الحريري الاولى لسوريا، كما تفرضها ضرورة العمل على ترتيب العلاقات بين البلدين، وكذلك المساعي الحثيثة، التي تبذلها السعودية لترتيب البيت العربي في هذه المرحلة الحساسة والدقيقة.
❑ ❑ ❑
وفي الواقع، يملك سعد الحريري مقاربة عميقة للعلاقة بين لبنان وسوريا، تقوم على مفهوم استراتيجي يتجاوز الملفات العالقة التي ستكون موضع بحث خلال زيارته المقبلة لدمشق. فهو يرى ان التفاهم بين البلدين يجب ان يتجاوز كل النقاط الخلافية التي يمكن حلها تدريجا، بهدف ارساء القواعد المشتركة، التي تشكل قاعدة لعلاقات مميزة وممتازة تمثل بالتالي نموذجا يحتذى في العالم العربي.
ان قيام هذا النوع من علاقات التعاون الاخوي هو في نظر الحريري كما تؤكد اوساطه، ضرورة ملحة للبنان ولسوريا، كما لمصالح الدول العربية جمعاء، وهي بالتالي رافد حساس ومهم في مجرى التضامن والتكافل الذي يرسمه خادم الحرمين الشريفين لترتيب البيت العربي. وهو بالطبع ما حمل الامير سعود الفيصل اول من امس الى سوريا ومصر عشية القمة، وبهدف اعادة الدفء الى العلاقات السورية – المصرية، وضمان نجاح القمة في ليبيا.
عمليا، يبذل سعد الحريري جهودا متواصلة بهدف هندسة الاداء السياسي والاعلامي في بيئته، بما يتلاءم مع مفهومه للعلاقات المميزة مع سوريا، وهو ينجح تدريجا في اوساط "تيار المستقبل" ربما اكثر مما تنجح دمشق في محاولة ضبط بيئة حلفائها اللبنانيين، واداء بعضهم اخيرا، مما اضطر سفيرها الى ان يزور السرايا وبعبدا لتأكيد الحرص على العلاقات مع الرئيسين سليمان والحريري، بعدما ذهب بعض حلفاء سوريا بعيدا في التحامل على الرئيسين.
لا بد من علاقات مميزة وتحتذى بين لبنان وسوريا، هذا امر يجاهر به تكرارا الرئيسان سليمان والحريري. والوقت يعمل لمصلحة هذه العلاقات ولا يمكن الخروج من القطب المتجمد الى خط الاستواء بين ليلة وضحاها، لكن عملية التصحيح تتقدم.