تدخل المايسترو شخصيا وتكلم الرئيس الاسد بوضوح وصراحة عن سياسة االنظام السوري تجاه لبنان: فتوّج انقضاض حلفائه في بيروت على المؤسسات الدستورية والامنية وصولا الى رئاسة الجمهورية باعلانه تدخلا سياسيا مباشرا في الشأن اللبناني عبر تلفزيون "المنار" يوازي وقد يفوق بخطورته التدخل العسكري المباشر في لبنان في الثمانينات من القرن الماضي.
انه كلام خطير ذاك الذي صدر على الاسد على شاشة المنار – ولعل مكمن خطورته هو في ما تضمنه من محتوى ورسائل الى اكثر من طرف محلي واقليمي ودولي، ومختصرها ان النظام السوري لم يعد يرى لبنان وعلاقته بلبنان الا من زاوية المواجهة مع اسرائيل ومن زاوية دعم المقاومة وتعزيز انضمام لبنان الى المحور الاقليمي السوري الايراني الحماسي الحزباللهي .
هكذا قطع الرئيس السوري الشك باليقين وبصراحته المعهودة قال كلمته وفصل في شكوك البعض واكد شكوكنا حول وجود امر عمليات اقليمي بالاستئثار بالقرار اللبناني السيادي والاطاحة بكافة محاولات التطبيع والتصالح والترميم في العلاقات بين دولة ودولة بين لبنان وسوريا.
وفي هذا السياق نتوقف عند الاتي:
اولا: ان كلام الاسد وبغض النظر عن مضمونه يشكل اقرارا واعترافا واضحين بتدخل سوري من اعلى السلطة في الشأن الداخلي اللبناني، فمجرد الاشارة الى ان لسوريا موقف ضد فريق من اللبنانيين يعتبره الاسد ضد المقاومة يشكل تدخلا لم يعد بحاجة الى اثبات او دليل او مزيد من التأويل او الاجتهاد – فالاسد قالها بوضوح لمن لا يريد ان يصدق الى الان – ان لسوريا دور في دعم فريق لبناني ضد فريق اخر – فضلا عن مضمون هذا الكلام الذي يجعل الاسد وكأنه الحكم الذي يصدر حكمه بتصنيف اللبنانيين بين مقاوم ومن هو ضد المقاومة – من دون طبعا ان يحدد الاسس والمعايير والمبادىء التي ارتكز عليها في هذا التصنيف بين اللبنانيين.
ثانياً: ان كلام الاسد ضربة واضحة ومباشرة لمنطق ترميم العلاقات وارساء علاقات احترام بين دولتين كما افتتح الرئيسان سليمان والحريري عهدهما بالاشارة اليه – فكلام الاسد تجاوز اللياقات والاعتبارات الديبلوماسية في التخاطب بين الدول وعن الدول ليدخل مباشرة في صلب المعادلة اللبنانية الداخلية من باب تأييد فريق ضد فريق اخر وتصنيف اللبنانيين والانحياز الى فريق ضد اخر.
فهذا الكلام الخطير يطيح جملة وتفصيلا بكافة الامال التي بنيت في المساعي اللبنانية الرسمية المبزولة في سبيل ارساء علاقات ندية مبنية على احترام سيادة واستقلال البلدين والتعاون ضمن هذين الحدين بينهما.
ثالثاً: ان كلام الاسد يؤكد حتمية النظرة السورية التدخلية لسوريا ونظامها في الشؤون اللبنانية باستخدام عبارة " لايمكن " – ما يعني وجود رؤية سورية قديمة – جديدة بحتمية التدخل السوري في القضايا اللبنانية الداخلية والانحياز لفريق ضد اخر وبالتالي تعزيز الانقسامات الداخلية والدفع باتجاه تقاتل اللبنانيين مجددا فيما بينهم – وبعبارة اوضخ استمرار لبنان في نظر السورين والنظام السوري تحديدا على انه جزء من سوريا وخلفية استراتيجية لسوريا والحديقة السياسية لتصفية حساباتها الاقليمية والدولية على حسابه.
رابعا: شدد الاسد على ضرورة تحديد الاسس التي يجب ان تقوم عليها العلاقات اللبنانية – السورية، وهذا الكلام موجه مباشرة الى اركان الدولة اللبنانية وتحديدا الى الرئيسين سليمان والحريري. فيبدو ان ما حكي عن انزعاج سوري من مواقف الرئيس سليمان جاء موقف الاسد ليؤكده وليغطي بذلك المواقف التصعيدية من حلفاء دمشق في لبنان الاخيرة ضد الرئاسة الاولى – على خلفية الانزعاج من عقد طاولة حوار لبحث الاستراتيجية الدفاعية وسلاح "حزب الله" في وقت بات من الواضح ان سوريا وايران بامس الحاجة لىسلاح "حزب الله" ودوره ووجوده – ما يؤكد كافة التقارير السياسية والديبلوماسية الاخيرة وتحاليلنا السابقة من وجود امر عمليات ما اعطي ويكون فيها لحزب الله الدور الرئيسي الطليعي ولو على حساب لبنان وسيادته ومؤسساته الشرعية ومصالحه العليا والحيوية.
كما ان هذا الكلام رسالة واضحة الى الدولة واركانها ولا سيما الرئيس سليمان والرئيس الحريري على انه لا مجال لعلاقات ثنائية لا يكون لسوريا دور في تحريك الملف اللبناني ويد في الاستمرار بتحالفاتها الداخلية – من ضمن استراتيجية مواجهة اقليمية قررتها دمشق وطهران وما على بيروت سوى التنفيذ والتقيد والسماح باطلاق يد "حزب الله" وسلاحه دون رقيب ولا حسيب.
خامسا: الاسد حسم خياراته في دعم الفريق المقاوم ضد الفريق الذي يعتبره غير مقاوم – وبالتالي دخل النظام السوري اعتبارا من اليوم في مواجهة مباشرة ومكشوفة مع قسم كبير من لبنان سياسيا واستراتيجيا – وباتت اللعبة بمثابة اعلان حرب مبطن وغير مباشر ضد القسم الاخر من لبنان بمسيحييه ومسلميه ورأيه العام وحركاته السيادية والاستقلالية وفي طليعتها قوى "14 اذار" – وقد نذهب في رؤيتنا الى حد توقع الاسوأ اعتباراً من الان – طالما ان الرئيس السوري قرر مواجهة الفريق المضاد للمقاومة كما يعتبر.
باختصار: ان الوضع بات خطيرا جدا وعلى اللبنانيين التنبه الى كلام الاسد الذي يعتبر اعلان حرب على جزء من لبنان – بموازاة اعلان صريح وواضح بدعم المقاومة و"حزب الله" وسلاحه وبالتالي رفضه طاولة الحوار والاستراتيجية الدفاعية لانهما يعرقلان مخططات المواجهة التي وضعت الياتها واستراتيجياتها بين دمشق وطهران وتكرست في قمة دمشق الاخيرة حيث بات واضحا سبب تغييب لبنان الرسمي عنها.
كلام خطير للرئيس الاسد حسنته الوحيدة انه اكد بالاثبات القاطع ان سوريا لم تقرر بعد اخترام سيادة واستقلال لبنان – فعلينا كلبنانيين ان نبدأ بالتفكير في صاعقة اليوم وفي اثار الصدمة على مصير لبنان على المدى القريب والمتوسط.