المعارضة مربكة ومشتتة حيال ترشيح الأكثرية قائد الجيش
أصابت المبادرة الانقاذية التي اقترحتها قوى 14 آذار بترشيح قائد الجيش العماد ميشال سليمان لرئاسة الجمهورية, قوى المعارضة المدعومة من سورية وايران في الصميم, فكان الارباك غالباً على مواقف رموزها, ثم تحول الى تخبط في المواقف لم يخف تناقضات وتباينات حادة بين أولويات هذا أو ذاك من قوى 8 آذار.
ويعرض مصدر سياسي مطلع في قراءة متأنية حيثيات مبادرة 14 آذار, وخلفيات الارباك والتشتت اللذين سادا صفوف الأقلية النيابية على الشكل التالي:
أولاً: تبلغت قوى 14 آذار عبر مصادر ديبلوماسية مختلفة أن النظام السوري اقترح سراً على الأميركيين ابرام صفقة ما يكون لبنان وحلفاؤه اللبنانيون بنداً فيها, بحيث يلجم اندفاعة هؤلاء الحلفاء, بدءاً من منع الرئيس السابق أميل لحود من اتخاذ أي خطوة-مغامرة مثل تشكيل حكومة ثانية, مروراً بمنع “حزب الله” وأحزاب أخرى من التصعيد في الشارع, وصولاً الى تنفيس دعم هؤلاء الحلفاء لخيار العماد ميشال عون الرئاسي, وذلك في مقابل المشاركة في اجتماع أنابوليس واطلاق المفاوضات السورية-الاسرائيلية.
وكان الرد الأميركي مشجعاً للنظام السوري في مسألة عدم التصعيد في لبنان, ولكن من دون الذهاب الى اعطاء وعود بشأن مستقبل الانتخابات الرئاسية, أو المحكمة الدولية وسائر القرارات الدولية. وعند هذه النقطة تشاور أقطاب 14 آذار في ما بينهم وقرروا سحب البساط من تحت أقدام النظام السوري ومحاولة ابرام صفقة على لبنان, فقرروا بالاجماع تسهيل اجراء الانتخابات الرئاسية في أقرب وقت ممكن بتبني اسم العماد سليمان , الذي يحظى باحترام جميع القوى السياسية من دون استثناء, واستباقاً لاي مساومات قد تقوم حول اسم مرشح آخر. وهكذا تكون قوى 14 آذار أعادت الامساك بزمام الوضع اللبناني, في وقت بلغ التجاذب الأميركي-السوري أشده في اشارة الى التصريح العنيف الذي أدلى به قبل أيام السفير الأميركي في لبنان.
ثانياً: في وقت ظهرت فيه قوى الأكثرية موحدة في خيارها اللبناني, الذي يقطع دابر “الفراغ” ذي الصناعة السورية, ظهرت حقيقة أن فريق 8 آذار هو مجموعة قوى متفرقة لكل منها أولوياتها.
بداية أصيب رئيس مجلس النواب نبيه بري بالارباك وهو الذي تبلغ بمبادرة ترشيح سليمان عبر الاعلام, وليس عبر مفاوضه من فريق الأغلبية النائب سعد الحريري, فتجنب اتخاذ موقف صريح. وعندما أدرك أن الأمر جدي, وأن العرض المطروح هو من النوع غير القابل للرفض لأنه يحظى بتأييد 68 نائباً في البرلمان, وبمباركة البطريرك الماروني, وبتغطية فاتيكانية وأوروبية, وموافقة أميركية, أعلن أنه مستعد لتسهيل آلية تعديل الدستور, ليتمكن العماد سليمان من الترشح والفوز بالانتخابات.
ثالثاً: المفاجأة كانت أكبر للعماد ميشال عون الذي كان في الأيام الأخيرة يغرد خارج كل الأسراب, سرب الموالاة, وسرب المعارضة, وسرب الخارج بكافة تناقضاته. وهو كان قد اعتبر أنه يستطيع جمع الشخصيات المسيحية ذات الأوزان المختلفة حول ترشيحه ليجعل منه الورقة الأصعب, التي يستطيع أن يفرضها على بكركي وقوى 14 آذار والدول المعنية, بالتزامن مع تحريك الشارع المسيحي في اعتصامات متنقلة, لكن هذا الطموح اصطدم بعقبتين أساسيتين, امتناع قوى المعارضة الأخرى عن المشاركة, وهذا ما فرمل اندفاعته, والعقبة الثانية والأهم هي ترشيح سليمان, التي من شأنها أن تسحب منه مشروعية أي تحرك مسيحي تحت شعار التصدي للفراغ.
رابعاً: يبقى أن آمال عون تبقى معلقة على حليفه الأقوى “حزب الله” الذي لا يمكن تجاوزه في أي تسوية رئاسية. وقد كانت مواقف مسؤولي الحزب متناقضة تعبر عن المفاجأة من ناحية وعن تباين داخلي في “حزب الله”, حول المرشح التوافقي للرئاسة.
وهنا يؤكد المصدر السياسي المطلع ما سبق وأشارت اليه “السياسة” في أكثر من مناسبة, عن وجود تيارين داخل “حزب الله”, الأول سوري يقوده السيد حسن نصر الله, والثاني ايراني يقوده السيد هاشم صفي الدين, ويعبر عنه الشيخ نعيم قاسم. والحزب يواجه اليوم الاستحقاق الرئاسي في ظل هذا الانقسام. فمن جهة قد يسير تيار نصر الله بترشيح سليمان اذا وافقت سورية عليه, وهذا هو المرجح. وقد يعارض التيار الآخر (الايراني) اذا استمرت طهران في تباينها مع دمشق على خلفية المشاركة في أنابوليس واطلاق المفاوضات السورية-الاسرائيلية, وهذا التباين مرشح للتفاقم والخروج الى العلن في الفترة المقبلة.
خامساً: يعتبر المصدر المطلع أن العامل الداخلي الأهم اليوم, هو العامل المسيحي, اذ أن النواب المسيحيين في جميع الكتل النيابية من معارضة وموالية, باتوا في موقع الحشر أمام رغبة الفاتيكان باجراء الانتخابات الرئاسية مهما كانت الصعوبات, لذا فان السيناريو المتوقع للأيام المقبلة اذا استمر تعنت بعض قوى المعارضة, هو حصول انشقاقات مسيحية من كتل المعارضة هذه, أو على الأقل اعلان مواقف مستقلة ورافضة لاستمرار تعطيل الانتخابات الرئاسية.
وللتذكير فان النواب المسيحيين يتوزعون على عدد من كتل المعارضة ويبلغ عددهم نحو العشرين نائباً, وبالتالي فان دورهم محوري في تأمين نصاب الثلثين لأي جلسة انتخابية, وخصوصاً النائبين ميشال المر والياس سكاف وحلفاءهما, اذا أسقطوا من حسابهم تعنت عون الرئاسي, وخيارات “حزب الله” الاقليمية, وتردد بري بين هذا وذاك.
سادساً: يختم المصدر المطلع بأن الانتخابات لن تحصل اليوم الجمعة وقد لا تحصل الأسبوع المقبل, ولكن الأمور ستأخذ منحى آخر بالتأكيد بعد أن أطلقت قوى 14 آذار مبادرة لا يمكن رفضها, واذا لم تنجح في تنفيذها لسبب أو لآخر, فان الأهم يكون قد تحقق لجهة سحب الورقة اللبنانية من بازار التفاوض الاقليمي والدولي, وتوجيه ضربة قاصمة لقوى التعطيل في الداخل اللبناني, والتقدم خطوة أكيدة نحو انجاز الاستحقاق الرئاسي وانهاء حالة الفراغ في سدة الرئاسة.