.jpg)
في نهاية تشرين الأول الحالي، يكون قد مضى سنتان على عهد الرئيس ميشال عون، حفلت بإنجازات أبرزها قانون الانتخاب الجديد الذي أجري الاستحقاق النيابي على أساسه، وأفرزت موازين قوى وأحجاماً جديدة لم يعد بالإمكان تخطيها، وصححت التمثيل بنسبة كبيرة عما سبق، إذ كانت قوانين الانتخاب تصاغ بما يتناسب مع تثبيت الهيمنة السورية على البلد، وتطاول بالإجحاف خصوصا التمثيل المسيحي.
إلا أن السنتين الآفلتين من عمر العهد حملت معها أيضا بعض العثرات التي أعاقت انطلاقة مسيرته الإصلاحية كما أراد. عثرات يتحمّل بعض من ينسّبون أنفسهم بأنهم من حاملي لواء العهد والحريصين على انجاحه، مسؤولية كبرى عنها، وأكثر ما يُلاحظ اليوم في وضع العراقيل أمام تشكيل الحكومة العتيدة انطلاقا من نوايا لم تعد خافية بالاستئثار والإقصاء، ظنا من هؤلاء أن هذه الحكومة وتركيبتها ستؤثر كثيرا في تعبيد الطريق أو زرع العوائق أمام أحلامهم الرئاسية المبكرة.
وبات واضحا أن كل التحركات واللقاءات السياسية الحاصلة بين عدد من القيادات السياسية للخروج من الأزمة الحكومية المستفحلة، تبدو عقيمة، ولا يظهر في الأفق ما يشير إلى أن سبل الخروج من الأزمة متاحة في وقت قريب، على الرغم من محاولات رئيس الحكومة المكلف سعد الحريري والتسهيلات التي تقدمها معظم القوى السياسية، لا سيما حزبي القوات اللبنانية والتقدمي الإشتراكي، وتيار المستقبل، وحتى رئيس مجلس النواب نبيه بري وحزب الله. إلا أن هذه المحاولات تصطدم بحائط صدّ رئيس التيار الوطني الحر جبران باسيل، الذي يرفض الصيغ المطروحة للحلحلة. وللمفارقة، بعضها طرح على أساس المعايير والمقاييس التي طالب بها باسيل نفسه انطلاقا من الاعتراف بنتائج الانتخابات النيابية، ليعود مع كل طرح جديد للانقلاب على كلامه وموقفه!
وهنا يكمن السؤال، إلى متى يمكن للرئيس عون الانتظار والوقوف من دون تدخل أمام هذه العرقلة الواضحة من قبل باسيل لكل المبادرات للخروج من المأزق، والتي تهدد العهد نفسه وتفقده الاندفاعة التي راهن الكثيرون عليها بعد إجراء الانتخابات، والتي قال العهد إن حكومته الأولى ستشكل بعدها وعلى ضوء نتائجها؟
نتائج الانتخابات واضحة، “القوات” ضاعف عدد مقاعده النيابية بإرادة الناخبين، و”الاشتراكي” حقق الغالبية الدرزية من دون منازع، و”المستقبل” الأقوى من دون منافس على الساحة السنية فضلا عن كونه الشريك في التسوية الرئاسية إلى جانب “القوات”، ولا أحد يناقش في ما يتعلق بتمثيل الثنائي الشيعي حركة أمل وحزب الله، إذا أين المشكلة؟ وما الذي يؤخر تشكيل الحكومة؟ وعلام يراهن المعطلون والمعرقلون؟
المشكلة في مكان واحد أحد، لدى باسيل، الذي يريد الحكومة العتيدة مطيّة لتحقيق الغلبة والهيمنة على القرار الحكومي، فهو لم يهضم حتى الساعة النتائج غير المسبوقة التي حققها “القوات” في الانتخابات، بما يساعده من وجهة نظره في تجميع الأوراق لمعركة الرئاسة المقبلة التي افتتحها باكرا، في موقف غير مفهوم والعهد كان ولا يزال في بدايته نسبيا. علما أنه من المفترض أن مجلس النواب الحالي ليس من ينتخب الرئيس المقبل ولا الحكومة المنتظرة اليوم من يزامن تلك الانتخابات!
أمام هذا الأفق المسدود الذي يصنعه باسيل ضاربا بعرض الحائط كل المبادرات والتسهيلات، يواصل “القوات” رهانه على الرئيس ميشال عون، ويعتبر أنه يستطيع في أي وقت أن يضع حدّا لهذا “الدلع”، وأنه يملك كل الأوراق لإطلاق مبادرة تنقذ الوضع الحكومي المتأزم، وتفرض على الجميع الالتزام بالمعايير الوطنية والسياسية السليمة وتقديم التسهيلات للتأليف أسوة بما فعله “القوات” وغيره من القوى السياسية.
لن يسمح “القوات” لأي كان بأن يدق إسفينا أو يصنع بعدا أو جفاء متوهما بينه وبين العهد، فهو الشريك الأساس، إن لم نقل الأبرز، الذي أوصل سفينة العماد عون سالمة آمنة إلى قصر بعبدا بعدما كانت “رياح الرئاسة” قد هبّت على بنشعي.
“القوات” هو أبرز داعمي العهد والمساهم الأول في صناعته، انطلاقا من حسابات وطنية وسياسية صافية، ولكون الرئيس عون يمثل تمثيلا صحيحا المكون المسيحي. هذا المكون الذي لطالما انتهكت حقوقه وشوِّه تمثيله طوال فترة الاحتلال السوري على كل الصعد. وهو لا يزال يملك الإصرار نفسه على التمسك بالمصالحة وباتفاق معراب اللذين حققا نتائج ايجابية لا يمكن إنكارها.
وما مبادرة رئيس “القوات” سمير جعجع والقرار بإعلان التهدئة والالتزام بها ولو من طرف واحد، سوى تأكيد بالقول والفعل أن “القوات” باق على عهوده ولا يتنكر لها ولو فعل الآخرون، فاتفاق معراب طوى صفحة أليمة لا عودة إليها، وأراح البيئة المسيحية وجعلها تتصالح مع نفسها وأعاد التوازن الوطني والشراكة الوطنية المفقودين المختلين منذ التسعينيات إلى مسارهما الصحيح، اللهم إن صفت النيات على طول المسار.
تبقى أربع سنوات من عمر العهد يمكن أن تكون مثمرة ومنتجة وزاخرة بالإنجازات والإصلاحات في بنية الدولة المهترئة التي يتآكلها الفساد وينخرها حتى العظم، وبالتأكيد فإن الرئيس عون لديه النيّة والعزم ليسجّل التاريخ له أنه حقق الإصلاح المنشود الذي عجز عنه الآخرون لأسباب عدة. وقطعا، “القوات” إلى جانبه في معركته الإصلاحية هذه ومحاربة الفساد، ولا يجب أن تشكل النتائج التي حصل عليها في الانتخابات “نقزة” لأي فريق وطني، فهي بالعكس، تأكيد على وضوح الرؤية لديه وعلى ممارسته الناصعة في الشأن العام والتي تصب في النهاية في مصلحة العهد في مسيرته الإصلاحية.
المبادرة بيد الرئيس، فهل يطلقها بوجه الجميع، الأقربين قبل الأبعدين، وانطلاقا من نتائج الانتخابات النيابية وخصوصا في الجانب المسيحي، فيضع حدا لـ”شطحات” البعض أيا كانوا ومهما ادعوا قربا منه أو حرصا على مصلحته، فينقذ العهد والجمهورية، وسط بحر التصعيد والمخاطر المتجمعة على المستويات كافة، لا سيما الاقتصادية منها بحسب التحذيرات الدولية؟
الرهان هنا، و”القوات” باقٍ إلى جانب العهد، هذا خياره وبكل قناعة لمصلحة لبنان واللبنانيين جميعا…
