بصرف النّظر عن الأجواء التفاؤليّة المشاعة بقرب ولادة الحكومة العتيدة، وهي أجواء خدّاعة تشبه الابتهاج بتسمية 111 نائباً الرئيس سعد الحريري لتشكيل الحكومة، التي ما لبثت أن أفضت إلى تعطيل تجاوز الشهور الأربعة وعشرات العثرات التي وضعت في طريقه، وحتى لو ولدت الحكومة نهاية هذا الأسبوع، لا نظنّ أنّ المطلوب من اللبنانيّين أن ينخرطوا في ابتهاج «مزيّف»، الواقع يقتضي أن لا ندفن رؤوسنا في الرّمال، هذه حكومة بانتظارها مئة حفرة لا حفرة واحدة فقط!
لا يزال لبنان أسير وضع المنطقة الذي دخل في ستاتيكو جديد، ومن لا يريد أن يرى هذا الستاتيكو فهذا شأنه، ولم يعد سرّاً بعد أسبوعين على اختفاء الإعلامي البارز جمال خاشقجي، والذي بات من المسلّم به أنّه قتل، وأنّ البحث عن جثّته جارٍ، تماماً مثلما جاري البحث عن مخرجٍ ما بين تركيا والسعوديّة يتولّى مهمة تنفيذه الرئيس الأميركي دونالد ترامب، مع ملاحظة أنّ العالم ليس أميركا فقط، وبرأينا المتواضع مقتل جمال خاشقجي سيظلّل وجه أميركا والمنطقة في الأسابيع المقبلة، وظلاله ستكون شديدة السواد متى ما ظهرت جثته المقطّعة إلى أشلاء، والمقلق أنّ أحداً لا يملك تصوّراً للمنحى الذي قد تذهب إليه الأمور!
من الصعب تصوّر عدم تأثّر لبنان بأجواء العاصفة المقبلة على المنطقة، أساساً إلتزام إيران وحزب الله الصمت وعدم صدور أي تعليق عنهما حتى تاريخه مثيرٌ للقلق، لأنّ أي اتزار في الموقف السعودي سيُدفع ثمنه في لبنان وسيكون الثمن ثقيلاً، لأنّ فريق الممانعة والعصابة الأسديّة يتحيّنون لحظة انقضاض شرسة على الفريق الذي يتهمونه بأنّه في محور أميركا وحلفائها!
وبصرف النّظر عن هذه الأجواء أيضاً، الوضع في لبنان مأزوم، إقتصاديّاً نحن على حافّة الهاوية، ليس في البلد دورة إقتصاديّة، وعلى لسان اللبنانيّين جملة واحدة «ما في مصاري بالبلد»، والأمور ذاهبة إلى تفاقم، خصوصاً أنّ آمالاً وهمية توضع أمام اللبنانيّين تحت عنوان «سيدر»، ولكن الحقيقة المرّة قبل أن يمنح لبنان قرضاً واحداً من دول مؤتمر سيدر، مطلوب منه أن يقوم بإصلاحات جذريّة، وهذه الدول تعرف جيّداً كيف هدرت كل الأموال الممنوحة للبنان منذ ما بعد الطائف ولا يزال الهدر مستمراً!
هنا، لا بُدّ من إنعاش ذاكرة اللبنانيّين، أنّه في العام 1993 كان العنوان الكبير الذي رفعه الرئيس رفيق الحريري مع مجيئه إلى الحكومة كان «الإصلاح»، وبالكاد بدأ بمحاولة تنفيذ مجموعة إصلاحات لدولة مهترئة، في ألف مزراب لهدر وسرقة أموال الدولة ومواردها، بعد أشهر توقفت هذه العمليّة التي حملت عنوان «التطهير»، وأنّ الخلاصة التي وصل إليها الرئيس الحريري الأب، أنّ الإصلاح مستحيل في بلد طائفي، وقدّم تنازلات كبيرة ليسمح له بإعادة الإعمار، الطوائف تحمي زبانيتها في كلّ الإدارات، وهذه «حفرة» عميقة جداً لا حدود لقاعها تنتظر الحكومة العتيدة، الإصلاح ميؤوس منه في لبنان، في الأساس لا الدولة ولا الحكومة المقبلة ولا اللواتي سبقنها لديهم مشروع إصلاحي واضح المنهج والخطوات، ولا يعرفون أصلاً من أين وكيف سيصلحون ولا من يحزنون!
«الواقعية»، هي القاعدة الأولى في السياسة، وما سقناه في هذا الهامش «واقعي» جدّاً، الآمال الكاذبة لا تنفع مشرف على الموت فيما الطبيب يضحك عليه ويمنّيه بالعمر الطويل! من سيجرؤ على الاقتراب من وزارة الطاقة وملفاتها وبواخرها، ملفّ الكهرباء استنزف الخزينة، ونظرة على الممارسات بحقّ حزب القوات اللبنانيّة لأنّه سجل موقفاً واضحاً في هذا الملفّ، سيدر يريد إصلاحات، وكلّ الحكومات في لبنان عاجزة عن القيام بأي إصلاح، أساساً هذه الدولة بناء «مفوخر» اهترأت أساساته ولم يعد معه الترقيع والتدعيم، هذا الوطن أصبح مبنىً آيلاً للسقوط، وهكذا حالات لا ينفع معها إلا الهدم والبناء على «نضافة» من الأساس، ولكن على أي أساس، هذا سؤال مستحيل أن تعثر على إجابة له في لبنان!