الينا على انفسنا حاليا وبالنظر الى احتفالنا بقيامة السيد المسيح من بين الاموات وبشرى الحياة الابدية لبني البشر ان نبتعد قليلا عن السياسة وكفرها في لبنان. ولكن طرأ على الساحة اللبنانية في الساعات الماضية تطورين اخرجونا من صمتنا الفصحي: تصريح للنائب نواف الموسوي وآخر للمدعو القرعاوي من تنظيم القاعدة.
اولا: بالنسبة لتصريح الموسوي، اهم ما استوقفني امرين اساسيين:
– منطق ان المقاومة هي الالف والباء في نظرة "حزب الله" الى لبنان والوحدة الوطنية – فمن دون مقاومة لا لبنان ولا وحدة لبنانية.
– منطق التهديد في استحضار الصدامات في 7 ايار بمجرد ان يفضل المقاومة على الوحدة الوطنية.
هذا الكلام الخطير يعني:
1- انه استمرار للحملة على رئاسة الجمهورية وشخص الرئيس سليمان. فبعد الحملة عل الاخير ومطالبته بالاستقالة هإن "حزب الله" ومن خلال النائب الموسوي يشترط عليه خطا احمر هو: "لا وحدة وطنية بمعزل عن المقاومة – فالمقاومة هي ثمن الوحدة الوطنية"، وبالتالي فان طاولة الحوار في بند الاستراتيجية الدفاعية لم تعد ذات هدفية وفائدة طالما ان المقاومة تمر قبل الوحدة الوطنية وقبل الوحدة الاسلامية وقبل لبنان باسره.
2- انه كلام التهديد الخطير بالتلميح الى تجربة المقاومة في "حماية نفسها" بكل الوسائل حتى بـ"اللجوء الى السلاح دفاعا عن السلاح" في 7 ايار الشهير – وبالتالي فان "الحزب" لا يعتبر الدم الداخلي خطا احمر، ولا يعتبر الاقتتال بين اللبنانيين محرم اذا كان المستهدف بنظر "الحزب" هو السلاح اي المقاومة في مفهوم الحزب و"المقاومجية" – وهذا الكلام تكمن خطورته في انه تصريح صريح وواضح ومباشر من ركن من اركان "حزب الله" بان كل شيء مباح وكل المحرمات ساقطة عندما يهدد سلاح المقاومة ولو من الداخل اللبناني مهما كانت الكلفة ولو عدم تحقيق وحدة وطنية وبالتالي التصادم الداخلي.
3- ان الكلام الخطير يبني معادلة سياسية صعبة ومعقدة: لا يخيف احد "حزب الله" من فتنة داخلية، لان "الحزب" لا هم عنده ان حصلت فتنة ام لا اذا كان المستهدف حماية السلاح غير الشرعي. فالموسوي يكرس معادلة: البحث في السلاح ضمن منطق بقاء السلاح حرا وبيد "الحزب" والا فإن "الحزب" لا يخاف الفتنة ولا يهمه ما يحصل للبنان – ذات اللبنان الذي يريد السيد الموسوي حمايته والدفاع عن كرامته واستقلاله وسيادته في وجه الاحتلال الاسرائيلي والهيمنة الاميركية.
4- وجود ترابط في فكر "حزب الله" بين المطالبة باعادة النظر في الاتفاقيات اللبنانية – السورية، ومطالبة "الحزب" باعادة النظر في الاتفاقيات بين لبنان والولايات المتحدة الاميركية: فهنا نجد السيد الموسوي يرسي معادلة: التعديلات من هنا في مقابل التعديلات من هناك… ولو بالقوة…
هذا الكلام متقدم حتى على مواقف النظام السوري الذي اقر بضرورة تعديل بعض الاتفاقيات بين البلدين – في حين يحاول "حزب الله" من خلال الموسوي ربط التعديلات في الاولى بتعديلات شاملة لكل الاتفاقات مع الولايات المتحدة – والاخطر في ذلك ان الموسوي يهدد بان مثل هذه التعديلات ستحصل ولو اضطررنا الى الغاء اتفاقيات كثيرة مع الاميركيين برمتها.
فالموسوي يمارس لعبة الابتزاز السياسي على الحكومة وتحديدا على الرئيس الحريري ويرسل الرسائل الى من يعنيهم الامر في "14 آذار" بأن السير في التعديلات بين سوريا ولبنان سيدفعهم الى المطالبة بالسير في التعديلات للاتفاقيات كافة مع الولايات المتحدة.
5- رسالة واضحة الى الشريك السني في الوطن عبر كلام الموسوي عن النسبية ضمن المناصفة بحيث ان النسبية بين المسيحيين مطبقة لا مشكلة في ذلك – بينما النسبية في الطوائف الاسلامية وتحديدا بين السنة والشيعة هي موضوع نقاش الى الساعة خاصة عندما تقارب قيادة "الحزب" الموضوع من زاوية المثالثة او الاكثرية العددية او الشعبية.
وبالتالي ان تصريح الموسوي الاخير يعني امرين اساسيين:
– اسقاط المحرمات الوطنية والداخلية واستباحة كل الوسائل المتاحة والممكنة في سبيل الحفاظ على سلاح المقاومة، ولو خسرنا لبنان باسره في اتون حرب اهلية طائفية ومذهبية مدمرة للبنان والمنطقة. فكلامه اثبات قاطع على ان المقاومة وان كانت تدعي في الظاهر حماية لبنان الا انها باتت في الجوهر مشروعا بحد ذاته ذات ارتباطات برؤية اقليمية وظيفية للمقاومة تتجاوز مجرد طرد المحتل واسترداد استقلال وسيادة لبنان.
– اسقاط منطق المناصفة في شقها الاسلامي تحديدا، والعمل على تسويق المناصفة انطلاقا من نص دستوري وميثاقي (الطائف) يتكلم عن النسبية ضمن المناصفة اي تثبيت الدور الشيعي الريادي في المناصفة، وبالتالي تعبيد الطريق امام المثالثة.
ثانيا : تصريح المدعو القرعاوي
ما لم يقله الموسوي قاله القيادي في تنظيم "القاعدة" المدعو صالح القرعاوي بالمختصر: "ان السنة في حالة استضعاف وبالتالي ثمة عصبية سنية انتقامية من "حزب الله" حماة اسرائيل"، فالقرعاوي كما الموسوي يشتركان في قاسم مسترك اساسي وخطير: استهتارهم واستسهالهم للصدام المذهبي والطائفي الذي سيولع المنطقة لا سمح الله ان استمر الطرفان في تطرفهم وعصبيتهم العمياء مع فارق اساسي ايضا بينهما ان الاول نائب لبناني في البرلمان اللبناني وفي حزب لبناني محلي (اقله في تكوينه لا في سياساته وفكره)، بينما الثاني لا دخل له بشؤون لبنان الداخلية ولا صفة له للتكلم عن لبنان او عن واي فريق لبناني او اجنبي عامل على اراضي لبنان بموافقة الدولة والسلطات الرسمية كما اليونيفل.
فهذا التصريح من شخص اجنبي ضد فريق لبناني او الجيش اللبناني او اليونيفل كلام خطير يدلنا على مدى استباحة الغرباء للبنان ارضا وشعبا ومؤسسات دستورية. وكأن ليس للبنان سلطة ودولة وسيادة وحرية قرار سياسي وعسكري، ومع ذلك نجد للاسف حزبا لبنانيا كما "حزب الله" يزيد من هذه الحقيقة ومن استباحة الارض والمؤسسات والسيادة والحرية بدل ان يكون القدوة في تقوية الدولة ومؤسساتها وشروطها اذا اقتضى الامر فيعطي المثال السيىء لامثال القرعاوي ومن "شد على مشدهم" للحديث عن لبنان وكأنه ساحة سائبة لتصفية الحسابات الدولية والاقليمية والعربية والاسلامية.
ان الرد على القرعاوي يكون بدعم منطق الدولة وتقوية الدولة ومؤسساتها الامنية والعسكرية والدستورية – بغية استئصال سرطان التطرف والمتطرفين من امثال القاعديين وسواهم في لبنان وفي مقاربة الملفات الامنية. فاين "حزب الله" من هذا الرد ومن هذا المنطق؟
فبين الموسوي والقرعاوي تقاطع مصالح اقليمي ودولي يجعل لبنان ضحية الاستباحة وضحية من يريدون حمايته وفقا لما يرونه ورغما عن انف اللبنانيين وبالكيفية التي تتوافق مع مصالحهم. فالمقاومة لم تعد غاية بل هدف وبرنامج حكم … فيما القاعدة باتت الضنينة بالسنة في لبنان على طريقتها التفجيرية ضد الشيعة …
حمى الله لبنان ونجانا من التطرف …