بلمار هدّد بالاستقالة إذا تدخّلت السياسة في التحقيقات
محاولات لوضع المحكمة أمام أخطار محتملة
في معلومات لمصادر سياسية ان القاضي دانيال بلمار ابلغ الامين العام للامم المتحدة بان كي – مون رغبته في الاستقالة من منصبه مدعيا عاما في المحكمة الدولية الخاصة بلبنان اذا ما خضعت التحقيقات للتسييس او تحولت ورقة للمساومة ولعقد صفقات على حساب الحقيقة والعدالة.
وتضيف المعلومات ان الامين العام للامم المتحدة، وبعد اتصالات اجراها مع الدول المعنية لجهة سير المحكمة وتأمين الاموال اللازمة لتغطية نفقاتها الى ان تنتهي مهمتها باعلان الحقيقة والعدالة في جريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري ورفاقه وجرائم مماثلة استهدفت خيرة رجالات السياسة والاعلام في لبنان، نقل الى القاضي بلمار نتائج هذه الاتصالات المطمئنة وطلب منه الاستمرار في عمله حتى النهاية من دون اي تدخل.
لكن الحملة التي استؤنفت على المحكمة قد تشتد خلال الاشهر المقبلة مشككة سلفا باحكامها وواضعة شروطا للتعاون معها ومهددة بانه سيكون للقائمين بها موقف اذا لم تحاكم شهود الزور واذا حولت بعض الشهود في الجريمة متهمين، مع ان التهمة التي تطاول عناصر حزبية لا تطاول بالضرورة الحزب في ذاته لان هذه العناصر قد تكون مخترقة، وهذا لا يحصل داخل احزاب فحسب بل داخل مؤسسات رسمية وغير رسمية مدنية وعسكرية.
ان هذه الحملة اذا لم تتوقف وكانت مرشحة للتصعيد مع اقتراب موعد صدور القرار الاتهامي في جريمة اغتيال الرئيس الحريري ورفاقه، فان مصير المحكمة قد يصبح في خطر وذلك للاسباب الآتية:
اولا: ان قضاة فيها قد يضطرون الى الاستقالة اما بفعل عامل التهديد واما احتجاجا على تحويل المحكمة عن خط سيرها الصحيح لتضليل الحقيقة وعدم الوصول الى العدالة وذلك بهدف التوصل الى تسوية سياسية او صفقة ولو على حساب الحقيقة والعدالة كما حصل مع ليبيا بالنسبة الى طائرة لوكربي التي انتهت بمعاقبة الفاعل وليس من وراءه ودفع تعويضات لذوي الضحايا.
ثانيا: ان يوضع لبنان امام الخيارات الصعبة: اما الحكومة او المحكمة، واما المحكمة من دون محاكمة، واما ضرب السلم الاهلي واشتعال فتنة اذا صار اصرار ليس على معرفة الحقيقة فحسب، بل على الوصول الى العدالة، اي اما نسيان الشهداء او الفوضى…
ثالثا: ان تؤدي الحملة الاستباقية على المحكمة الى تأخير صدور القرار الاتهامي، وتاليا تأخير مباشرة المحكمة عملها، فتنتهي عندئذ مهلة الثلاث سنوات المحددة لها ويصبح مطلوبا من مجلس الامن الدولي البحث في التمديد لها، وهذا التمديد قد يخضع لتجاذبات سياسية محلية وعربية واقليمية ودولية قد تحول دونه، فضلا عن صعوبات قد تواجه توفير المبالغ اللازمة لتغطية نفقات المحكمة لسنوات التمديد.
رابعا: ان يطلب وزراء في حكومة "الوحدة الوطنية" اعادة النظر في النظام الاساسي للمحكمة والذي صار اقراره مع حكومة اعتبرت غير شرعية وغير ميثاقية، فحال ذلك دون عرضه على مجلس النواب، وكذلك اعادة النظر في الاتفاقات المعقودة بين المحكمة ولبنان. ومثل هذا الطلب قد يثير خلافا داخل الحكومة يعرضها للاستقالة او يعرض وزراء معينين للانسحاب منها كما حصل مع حكومة الرئيس فؤاد السنيورة عندما انسحب منها الوزراء الشيعة احتجاجا على النظام الاساسي للمحكمة بحجة ان لهم ملاحظات عليه مع احتمال حصول خلاف آخر حول مساهمة لبنان في تمويل المحكمة، وعندها يعود لبنان سياسيا وامنيا واقتصاديا الى الوضع الذي كان فيه قبل صدور قرار انشاء المحكمة وتشكيل لجنة تحقيق دولية في جريمة اغتيال الرئيس الحريري ورفاقه، اي وضع المراوحة والتأزم والفراغ الذي لا خروج منه الا بمساعدة دولية لا بل بمساعدة عربية وتحديدا سورية، فاما يعود النظر في جرائم الاغتيال الى القضاء اللبناني وفي ظروف تصبح معروفة، واما ان يبقى النظر فيها للمحكمة ذات الطابع الدولي، وهذا يحتاج الى موافقة سورية على الاخص اذا ظل الوضع على ما هو بتوازناته اللبنانية الحالية وتوازناته العربية والاقليمية.
ومعلوم ان تفويض المحكمة الخاصة بلبنان محدد بثلاث سنوات، وفي حال كانت هناك حاجة الى تمديد عملها فان ذلك يتم بالتشاور بين الحكومة اللبنانية والامم المتحدة طبقا للمادة 21 من نظام المحكمة ونصها: "بعد مضي ثلاث سنوات على بدء عمل المحكمة الخاصة، يقوم الطرفان بالتشاور مع مجلس الامن بعرض ما تحرزه من تقدم في اعمالها، واذا لم تكتمل نشاطات المحكمة في نهاية هذه الفترة يمدد الاتفاق على نحو يسمح للمحكمة بانجاز عملها لمدة اضافية يحددها الامين العام بالتشاور مع الحكومة ومجلس الامن".
وفي حديث صحافي للناطقة باسم مكتب المدعي العام دانيال بلمار راضية عاشوري اكدت ان "لا عودة الى نقطة الصفر، ولا فشل للمحكمة ولا تنصل من اي مسؤولية، فالتقرير الاخير واضح في شأن التقدم الذي احرزته ومدى تفاؤل المدعي العام حيال نتيجة اعماله، فالعمل لم يكن سهلا ولن يكون كذلك لاحقا والرئيس نفسه اعطى وصفا وتحليلا مفصلين عن صعوبة التحقيق في قضايا الارهاب وعن انها تستغرق وقتا اطول من سواها".
ورفضت التعليق على ما نشرته مجلة "در شبيغل" الالمانية واكتفت بالقول: "ان سياستنا الثابتة هي عدم الافصاح عن اي معلومات تتعلق بمسار التحقيق، وان الامر الوحيد الذي استطيع تأكيده هو ان المحكمة ليست مسيسة وان عملها محكوم بالادلة فقط لا غير، وان سياستنا المتبعة بالنسبة الى المعلومات العامة هي سياسة ذات مبادئ، وتسريب المعلومات لا يشكل جزءا من هذه السياسة".
وردا على سؤال حول من يكفل عدم تسييس المحكمة، وماذا لو وُجهت الدعوة الى احد الشهود ورفض الاستجابة، اجابت: "ان ما يكفل عدم التسييس هو ان المحكمة هي جهاز قضائي مستقل يعمل على تطبيق اعلى معايير العدالة الدولية، وهي في كل مناسبة تشدد على طابعها المهني والقانوني وعلى هدفها الوحيد المتمثل في كشف الحقيقة وفق معايير مهنية لا يرقى اليها الشك ويرتكز عملها على الادلة الصلبة وليس على التكهنات. اما في مسألة الشهود، فالمحكمة تعي امكان مواجهة، في حال توجيه اتهام الى مواطن، دولة تحظر تسليم رعاياها، الامر الذي يفرض على المحكمة ان تنظم المحاكمة من دون ان يكون المتهم معتقلا، وفي هذه الحال يمكن المشاركة عبر تعيين محام للدفاع او عبر المؤتمرات المتلفزة من دون ان يتم تسليمه فعليا. فالرئيس كاسيزي يشدد دائما على اهمية احترام قرينة البراءة وعدم جواز اعتقال المتهم الا في حال اثبات ادانته".
والسؤال الذي يبقى مطروحا خلال الاشهر المقبلة هو: هل الازمات في لبنان اولها محكمة وآخرها محكمة ومحاكمة.؟