كان الرئيس سعد الحريري يعرف منذ اليوم الاول لدخوله الى السرايا الحكومية ان طريقه لن تكون مفروشة بالورود والرياحين، بل بالإلغام السياسية والإفخاخ والكمائن، لذا فإنه يبتسم في كل مرة يرفع اليه تقرير أو يتناهى الى سمعه ان فلاناً من السياسيين هاجمه أو ان احد الصحافيين انتقده، ويكتفي بالقول:
(انهم لا يعرفونني).
* * *
ليست المرة الاولى التي يستخدم فيها الرئيس الشاب هذه العبارة، ففي مرحلة (التكليف الثاني) راجت اخبار انه سيعتذر وان اعتذاره سيكون نهائياً، سئل عن الموضوع فقال:
(انهم لا يعرفونني).
* * *
في (علم الرماية)، الرئيس سعد الحريري (هدفٌ سهل)، فالذي يوجِّه اليه سهامه، لا بد له ان يصيب شيئاً منه:
فهناك سعد الحريري رئيس الحكومة، وهناك زعيم تيار المستقبل، وهناك رئيس أكبر كتلة نيابية في مجلس النواب وهناك رئيس قوى 14 آذار، وهناك، وقبل كل شيء، الوريث السياسي للشهيد رفيق الحريري، فأي سهم يُطلق عليه لا بد وأن يصيب واحدة من هذه الشخصيات، لكن سعد الحريري لا يُفضِّل واحدة من هذه الشخصيات ولا يُقدِّم واحدة على اخرى، لذا فإنه جاهزٌ للدفاع عنها، مجتمعة، لأن التساهل في واحدة يعني التساهل فيها كلها، وهو ليس في هذا الوارد على الاطلاق.
* * *
أكثر من ذلك فهو مادة مثيرة، سياسياً واعلامياً، فأيُّ سياسي لا يجد ما يقوله، يتناول الرئيس سعد الحريري علَّ موقفه هذا يثير الاهتمام، وأيُّ اعلامي لا يجد ما يكتبه، يعمد الى الهجوم عليه علَّه يُصبح مقروءاًً!
* * *
بعد الانتخابات النيابية العام 2005، قيل عن الاكثرية التي نجمت عنها، انها اكثرية وهمية لأنها نتجت عن قانون مجحف وغير عادل، تمت انتخابات العام 2009 وفق قانون اشترطته المعارضة، ومع ذلك عادت الاكثرية اكثرية. انتقل (التعجيز) الى مرحلة تشكيل الحكومة، لكن هذا السلوك لم يحل دون حفر (جبل العقد) بالابرة واجتاز الحريري القطوع الثاني، كان معروفا ان الانتخابات النيابية ثم تشكيل الحكومة، تما تحت سقف التوافق السعودي – السوري وان مرحلة جديدة وصفحة جديدة ستفتح بين لبنان وسوريا، اصبح سعد الحريري رئيس حكومة كل لبنان وليس رئيس حكومة فريق فيه، اتخذ القرار الشجاع بزيارة دمشق ولقاء الرئيس بشار الاسد، كانت الزيارة (تأسيسية) لاعادة بناء الثقة بين البلدين، والجميع ادرك انها لن تكون (يتيمة) بل ستعقبها زيارة ثانية، وهذه المرة ستكون على رأس وفد وزاري لتبحث كل الملفات التي تهم البلدين. في الزيارة الاولى ذهب زعيماً وعاد زعيماً، وفي الزيارة الثانية سيذهب رئيس حكومة وسيعود رئيس حكومة.
ان العلاقة اللبنانية – السورية اخطر من ان تترك لأهواء سياسيين لا عمل لهم سوى الادلاء بتصريحات مكررة وممجوجة، فلا موقع رسمياً لهم، ولا ثقل شعبياً لهم، والاحزاب التي يترأسون أو التي ينتمون اليها لا يتجاوز عدد عناصرها احياناً عدد افراد عائلاتهم، ومع ذلك ينظرون في العلاقات اللبنانية – السورية من موقع )الناصح) و)الموجِّه) و)العارف) بأسرار العلاقة بين الدولتين، وعلى طريقة )من أين له هذا)? لا بد من سؤاله:
(من أين يعرف هذا)؟
إذا اقام الرئيس الحريري مهرجاناً في ذكرى استشهاد والده يقول هؤلاء السياسيون:
(انه استفزازي)، إذا قرر في مناسبة أخرى ان يقيم احتفالاً في قاعة مقفلة يقولون:
لم يستطع الحشد فاستعاض عن المهرجان الشعبي باحتفال رمزي، انهم منظرو (عنزة ولو طارت)، هؤلاء لم يُقدِّموا يوماً مشروعاً مفيداً للبلد، لا حين كانوا في السلطة ولا حين صاروا على هامشها، فلا هم اقترحوا مشروعاً للاصلاح ولم يسمع لهم موقف عن انقاذ البيئة أو تحسين الكهرباء أو معالجة ازمة السير أو تعزيز الضمان، يعتبرون ان هذه الملفات (تفصيلية) وان (رسالتهم) هي (السياسة العليا والاستراتيجية)، وهذه الاخيرة هي في مفهومهم النقد المتواصل والتحامل دون انقطاع.
أحدث (ابداعاتهم) في هذا المجال (تيئيس الناس) والايحاء بأن رئيس الحكومة لن ينجح في معالجة أي ملف، ويصوَّبون على الموازنة لاعتقادهم انها (مقتل) الحكومة، ربما فاتهم ان الموازنة لا تصبح نافذة الا بعد ان يصادق عليها مجلس النواب وانها ليست من صنع رئيس الحكومة وحده، كما فاتهم ان الموازنة تعني ايجاد المال وان الامر ليس لغزاً:
فإما الاستقراض وهذا مرفوض واما زيادة الضرائب والرسوم وهذا غير وارد واما اشتراك القطاع الخاص في قطاعات منتجة، واما وهذا الاهم وقف الهدر في مؤسسات الدولة، ومن لديه اقتراح آخر فليتقدم به.
* * *
ربما الخدمة الوحيدة التي يجب ان تقدَّم الى رئيس الحكومة هي تركه يعمل، لكن العقدة ان هذه النصيحة لا يمكن اعطاؤها للمتحاملين لأن معظمهم لا يعرفونه والتحامل عليه لا يعني ترك أي أثر.