
كما في سوريا، كذلك في العراق، حيث أفقدت الانتفاضة الشيعية تحت عنوان “العراق حرة وايران برّا” طهران بعضا من نفوذها. فبحسب الأوساط الديبلوماسية عينها، وصل إلى مواقع القرار في بغداد من يمكن تسميتهم مسؤولين “عراقيين جدا”، بمعنى أنهم يعطون الأولوية في قراراتهم لمصلحة العراق ، بدليل أن الحشد الشعبي فشل في تأمين الثقة لوزير الداخلية العراقي المحسوب على طهران، في مقابل فشل الرياض في ايصال شخصية محسوبة عليها إلى وزارة الدفاع العراقية.
وفي السياق نفسه، تشير الأوساط إلى أن الخسائر السياسية في سوريا والعراق، تأتي معطوفة على تراجع عسكري ملحوظ في اليمن، حيث تدعم طهران الحوثيين الذين يخوضون الحرب في مواجهة السلطات المعترف بها دوليا. وهنا، تذكر المصادر بأن الخسائر الايرانية في هذا المضمار تتجلى في الهجوم الذي يشنه التحالف العربي، بدعم أميركي واضح، على منطقة الحديدة، آخر معاقل الحوثيين لدفعهم إلى طاولة المفاوضات، بعد سلسلة الهزائم التي منوا بها في مقابل مكاسب مهمة للقوات الحكومية.
غير أن الضربة القاضية ضد طهران أتت من واشنطن، بفعل مضي الرئيس دونالد ترامب في المواجهة المفتوحة مع طهران لتقليص نفوذها في المنطقة، فكانت الموجة الجديدة من العقوبات المشددة عليها. فلم تجد طهران، بحسب الأوساط الديبلوماسية، أفضل من الساحة اللبنانية مكانا للرد على خسائرها المباشرة واستهدافها دوليا، بما يفسر التصعيد الخطير الذي انبرى إليه السيد نصرالله. غير أن هذه السياسة الايرانية أثارت مخاوف من جر لبنان إلى مواجهة مع اسرائيل من بوابة المزاعم القائلة بوجود مواقع لتطوير الصواريخ لصالح حزب الله على الأراضي اللبنانية. وفيما سارع لبنان الرسمي إلى نفي هذه الادعاءات، تلقت السلطات اللبنانية، عبر المستشار الديبلوماسي للرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون، أوريليان لوشوفالييه، رسائل اسرائيلية شديدة اللهجة تؤكد استعداد تل أبيب للرد على أي هجوم، ما يرفع نسبة المخاوف على لبنان.
غير أن الأوساط لا تسقط من حساباتها البعد المحلي للتصعيد الذي انبرى إليه نصرالله، معتبرة “أن الحزب العامل وفق الأجندة الايرانية لا يريد تأليف حكومة الآن، علما أنه يعرف خطورة الوضع الاقتصادي، خصوصا في صفوف قاعدته الشعبية-بدليل أنه طالب بوزارات خدماتية- ، لكنه يريد أولا إيصال رسالة إلى من يعنيهم الأمر في الداخل، كما في الخارج، مفادها أن له دورا أساسيا في اتخاذ القرار في لبنان”.