ذكّرتنا صحيفة "الثورة" السورية امس بالمقاومة الوطنية (الطيّبة الذكر) التي انهى وجودها النظام السوري، في منتصف ثمانينات القرن الماضي، حتى يفسح المجال تدريجياً امام المقاومة الإسلامية "حزب الله" كيّ تقوم مقامها وتصادر الأرض والمشروع لخدمة أهداف التحالف بين إيران وسوريا، والذي كان في بداياته الأولى يومها.
ولا حاجة بنا لإستعادة الضغوطات التي تعرّض لها الرئيس الراحل رشيد كرامي من أجل إنتزاع موافقته على إلغاء إتفاق القاهرة، بما يمهّد لإعادة عناصر المنظمّات الفلسطينية الى داخل المخيّمات، وإنتشار البديل عنهم في كلّ مناطق الجنوب اللبناني بعد ان تمّ تأهيلهم في معسكرات أقامها النظام السوري بدعم وتمويل من الثورة الإيرانية، الراغبة في تمدد الجمهورية الإسلامية الى كلّ أماكن إنتشار جمهورها على إمتداد المنطقة عموماً.
ولا حاجة للتذكير بما كتب عن رفض كرامي لإلغاء الإتفاق المذكور، وعن دور هذا الرفض في إستشهاد الرجل، والذي كان المدخل الى كلّ ما تلى تلك المرحلة من أحداث معروفة ومشهودة.
ومن تلك الأحداث ما بدأته المقاومة الإسلامية من تصفية كوادر ورموز المقاومة الوطنية وإبعادها تدريجياً عن الحدود والقرار العسكري "المقاوم" وما تلى من تصفيات ومواجهات طالت كوادر وعناصر حركة "أمل" ايضاً، والحدثان اتمّا ما كان النظام السوري قد بدأه في مطاردته للراحل ابو عمّار (بعد ان أخرجته إسرائيل من بيروت) ودفعه مع مسلّحيه الى الرحيل بحراً في "شتات" جديد اوصل ثورته الى تونس واليمن والجزائر. وكلّ هذه الأحداث المأساوية اوصلت الى ما هو قائم اليوم من هيمنة إلهية على قراري الحرب والسلم في لبنان، وتحوّل وطن الأرز ساحة مقايضة وإبتزاز من محور الرفض للمجتمعين العربي والدولي في آن.
وقد أكّدت "الثورة" امس، ما يجهد "حزب الله" الى نفيه او أقلّه تلميعه، عندما ذكّرت بأن "يخطئ من يعتقد ان المقاومة شأن لبناني داخلي وانها مقاومة في لبنان وحسب! " واستطردت: "إذا كانت جغرافية عملها محكومة بالمكان، إلاّ أنها في أهدافها ونضالها وسلوكها وبرنامجها المقاوم عربيّة وإسلامية بإمتياز."
والعروبة التي حاولت الصحيفة السورية الصاقها بـ"حزب الله" تأتي دون أدنى شك من الغطاء الذي تقدّمه دمشق لها وإسلاميتها من ولاية الفقيه. وأهداف الحزب هي نفسها أهداف المحور المذكور (وخصوصاً فيه الأهداف الإيرانية) التي تتمدد الى غزة واليمن والعراق ومصر والبحرين والإمارات وأذربيجيان… وأماكن أخرى كثيرة تنتشر على مجمل الكرة الأرضية دون مواربة او تحفّظ حتى!
ويبقى ان الكلام السوري عن عدم حاجة المقاومة الى شهادة حسن سلوك، وعن سجلّها النظيف، تدحضه الوقائع القديمة والجديدة وفيها تصفية كوادر مقاومة وطنية، والتعرّض لضبّاط وأفراد الجيش اللبناني، وإستدارة السلاح الى الداخل اللبناني، والمربّعات الأمنية التي تأوي الخارجين عن القانون، والتدخّل السافر في دول الجوار، وآخره ما يتردد عن "مشاركة ما" في زلزال العصر والجرائم التي سبقته وتلته؟ وكلّها تنتظر كلمة القضاء الدولي الفاصلة فيها!