"تقبض على بندقية صيد هنا وتغمض العين عن ترسانة أسلحة متطورة هناك"، بهذا الكلام المعبّر شرح راعي ابرشية بعلبك ودير الاحمر للطائفة المارونية المطران سمعان عطا الله لسيّد بكركي تصرّف السلطات الامنية بعد الحملة الاستعراضية في "عيون أرغش".
هذا الكلام من رجل دين مسيحي هو لسان حال شريحة كبيرة من المسيحيين وحتى من المسلمين تعتبر أن الدولة الامنية لا تنظر إلا بعين واحدة الى بعض الفئات اللبنانية فيما عينها الثانية مغمّضة، وهذا الامر يولّد شعوراً بالقهر ويفقد ثقة الشعب بدولته، وكأن المطلوب من المؤمنين بالدولة وبقواها الشرعية أن يكفوا عن هذا الايمان، ويعودوا الى الاعتقاد أن هذه السلطة لا تستقوي إلا على الضعيف وعلى المسالم.
وتستغرب أوساط مسيحية أن تنحو السلطة الامنية هذا المنحى ضد فئة سياسية تخلّت عن سلاحها بملء ارادتها، وسارت بمشروع الدولة ودعمت اتفاق الطائف، وقالت: "كنا نبرّر سلوك هذه السلطة في التسعينات بأنه ناجم عن خضوعها لسلطة الوصاية، فلمن هي خاضعة اليوم وما هو المبرّر لاستهدافها "القوات اللبنانية"؟ وهل توقيت المداهمات في عيد الفصح يعني أنه مطلوب أن يبقى المسيحيون يعيشون مسيرة آلام بلا انقطاع من دون أن يعرفوا القيامة"؟ ولماذا ترى السلطة الامنية القشة في عين القوات ولا ترى الخشبة في عين سواها وتغض الطرف عن الاختراقات الامنية لسفوح الجبال في صنين والباروك وجرود جبيل والقرنة السوداء؟
وتشير الاوساط الى أن هذه الممارسات وإن كانت تذكّر بما تعرّضت له "القوات" في التسعينات من ترهيب وترغيب واعتقال وصلت الى حد سجن قائدها الدكتور سمير جعجع 11 عاماً، غير أنها لن تكون قادرة على اعادة عقارب الساعة الى الوراء، لاْن الفبركات الامنية والسياسية والاعلامية باتت معروفة ولا تنطلي على أحد خلافاً للملفات التي فُتحت تباعاً وعلى رأسها ملف تفجير كنيسة سيدة النجاة، وهذا ما حدا بوزير الدفاع الياس المر نفسه الى طلب عدم إعطاء بعد سياسي لما حصل في "عيون أرغش".
وبحسب مصدر معارض للقيادة القواتية، فإن الحملة التي استهدفت "القوات" حالياً لتشويه صورتها حققت عكس اهدافها، وخدمت الدكتور جعجع شعبياً أكثر مما ضرّته وأدّت الى التفاف أكبر حوله في منطقة دير الاحمر وبشري وسائر قرى البقاع المسيحية، تماماً كما كان يحصل عند أي استهداف جنبلاطي للعماد ميشال عون. وأوضح المصدر أنه أبلغ اطراف "8 آذار" بهذه المعطيات طالباً التراجع عن هذا النهج.
ولأن "جحا لا يقدر إلا على خالتو" على حد تعبير رئيس حزب الوطنيين الاحرار دوري شمعون الذي إنتقد أن تعمل الدولة "عنتر" في المناطق التي تنادي بالدولة فيما تقف متفرجة في المناطق الاخرى، فقد جاءت الاحداث المتزامنة مع حادثة "عيون أرغش" لتثبت هذا القول ولتُظهر أن الدولة عاجزة عن الدخول الى محلة صفير في الضاحية الجنوبية أو معالجة مشكلة السلاح في قوسايا وكفرزبد وحي الشراونة والهرمل، وكل ذلك بعد حادثة مار مخايل الشهيرة التي حاسبت فيها المؤسسة العسكرية ضباطها وعناصرها بدلاً من حمايتهم، فهل تقدم على المحاسبة عينها بالنسبة الى استباق التحقيقات والسماح بأفلام بوليسية مصوّرة لما جرى في "عيون أرغش"؟
ورغم كل هذه الوقائع تأسف الاوساط لاستمرار بعض نواب "حزب الله" في اثارة الغبار حول موضوع "عيون أرغش" للتعمية على ما يجري في مناطقهم، متحدثين عما يسمّوه خلايا امنية وطناً من المخدرات، ومتجاهلين وجود جيش لديهم، ومتناسين من سعى لاصدار عفو عام عن تجار المخدرات الحقيقية وليس عن تجار تبن الحشيشة.
ولكن لماذا هذا الاستهداف الدائم لـ"اـلقوات"؟
لاْنها والبطريرك صفير عصب ثورة الارز، لاْنها رغم القمع والتضييق وسنوات سجن قائدها عادت أقوى ولو من دون سلاح، لاْنها عطّلت مفاعيل العصيان وقطع الطرقات في 23 كانون الاول 2007، لانها صمدت في 7 ايار 2008 وإجتمعت في معراب وتوجّه قائدها الى السراي الحكومي المحاصر، لانها تستمر في التطور الجماهيري وتنتشر في الجامعات، لانها رغم خروج رئيس "الحزب التقدمي الاشتراكي" النائب وليد جنبلاط من "14 آذار" أبقت مع الرئيس سعد الحريري على الشراكة الاسلامية- المسيحية غير المرغوبة لدى البعض المعلوم، لانها كما سعد الحربري لا شيء يفرّق بينها وبين حلفائها إلا الموت، ولانها عند الموت تموت واقفة ولكنها لا تركع.