"لبنان لا يحكم ضد سوريا، ولا يحكم من سوريا"، واذا كان يفترض في الشطر الأول من هذه العبارة أن يرضي دمشق، فإن في الشطر الثاني ما يرضي اللبنانيين، وتوازن الشطرين يعكس حرصاً على علاقات سويّة، تحت سقف الاحترام المتبادل بين الدولتين، مما يعني أن تكون بين المؤسسات الدستورية فيهما. فهل هذا ما نشهده منذ 19 كانون الأول الفائت، يوم استقبل الرئيس بشار الأسد الرئيس سعد الحريري في قصر الشعب؟
ما يجري اليوم على طريق بيروت – دمشق يشي بتحقيق الجزء الأول من هذه المقولة التي تضمنها آخر حوار سياسي مع الرئيس رفيق الحريري نشر يوم استشهاده، أي 14 شباط 2005.
وغياب "الخط العسكري" الشهير على الحدود بين البلدين لم يخلف أي صعوبة على الراغبين من اللبنانيين، سراً أو علناً، في تلمس تبسم، أو اشارة غبطة، في عاصمة الأمويين. وهؤلاء ليسوا قلّة، أو على الأقل ضجيجهم الإعلامي ليس خافتاً، وهم يسلّمون بالشطر الأوّل، الى حدّ الإيمان، لكنهم يتجاهلون الشطر الثاني الى حدّ السّير بنقيضه، من دون تكليف ظاهر من دمشق أو ايحاء واضح من قيادتها.
ليس كلام الشهيد رفيق الحريري مُنزلاً، لكن فيه من حكمة التجربة اللبنانية – السوريّة طيلة الـ34 سنة الماضية ما يجعله نبراساً لما يجب أن تكون عليه العلاقات بين البلدين. ولم يكن كلام الرئيس السوري، منذ أطلق خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز المصالحات العربية، إلا في هذا الاتجاه.
مع ذلك لا يمتنع المغالون من أهل 8 آذار عن تصوير تحسن العلاقات اللبنانية – السورية على أنه رهن بدفتر شروط على اللبنانيين، ولا سيما القادة السياسيين منهم، أن يلبوه، وبلا سؤال، بحيث تعود العلاقات بين البلدين إلى صيغتها السابقة وما انطوت عليه من إساءات ليس اليهما فحسب بل إلى رغبتهما في بلورة نموذج قدوة في العمل العربي المشترك.
يقع في هذا الباب ما يسعون الى إثارته من بلبلة توحي اقتراب صدام داخلي تحت عنوان تسييس المحكمة الدولية، وما يهيلون من غبار على الهبة الأمنية الاميركية لقوى الأمن الداخلي، إلى تصويب سياسي فاقع على "القوات اللبنانية" وقائدها سمير جعجع، الى حد تبرئة كل الذين شاركوا في الحرب اللبنانية، خطفا وقتلا وتدميرا، وتصويرهم ملائكة خالصين إلا هو، علما أنه الوحيد من زعماء الحرب الذي قدم كفارته سجنا انفراديا واعتذارا علنيا.
كل ذلك وغيره مما تبطنه التصريحات الإعلامية والكتابات الصحافية يحاول أن يؤشر لتضعضع بنية الدولة اللبنانية وفقد اللبنانيين القدرة على إدارة شؤونهم وتاليا ضرورة تسمية وصي عليهم يرعى شؤونهم ويسيرها. ولا يخرج عن ذلك حوادث قوسايا الاخيرة، والتي حدت بدمشق الى عرض التدخل.
يزايد هؤلاء على أنفسهم حين يروجون أن طرح الملفات العالقة بين البلدين كاتفاقات التعاون وترسيم الحدود ومصير المعتقلين في السجون السورية والمخطوفين لن يقود الى علاقات سليمة مع سوريا، لكأن المطلوب أن تكون هذه قائمة على منطق إدارة الظهر لصون متبادل للمصالح، بما يحفظ ما للبنان وما لسوريا على قاعدة التعاون بين الاشقاء المتساوين في الحقوق والالتزامات.
لم يبدر من الرئيس السوري منذ عودة الود الى خط قصر المهاجرين – السرايا الحكومية ما ينبئ بسعي إلى استعادة زمن الوصاية، بل هو، على العكس من ذلك، يصر في كل ما ينقل عنه، على أن تكون العلاقة بين الدولتين الشقيقتين مضبوطة في إطار التوازن والتوازي والثقة، وهو ما حدا بـ"المصادر السورية" الى التأكيد مرارا عدم علاقة دمشق بما يطلقه بعض الاصوات الداخلية من عناوين سياسية استفزازية.
اصحاب هذه الاصوات مثلهم كمثل الذي توهم أنه حبة قمح وأن الدجاجة تريد ابتلاعه، ولم يشفه من وهمه علاج نفساني معمق، ولم يصدق أن الدجاجة لاتراه كما يرى نفسه.
دمشق تقول انها لا تريد العودة الى لبنان، وتحديدا الى ما كان عليه الحال قبل 26 نيسان 2005. لكن المشكلة في من لا يريد أن يقتنع ولا أن يغير عاداته. سيظل حبة قمح ولن ينفع معه أي علاج.