لو ان الحكومة تشكلّت بعد حلّ العقدة المسيحية مباشرة، ولم تخلق عقدة نواب «اللقاء التشاوري» بدعم من حزب الله، لكان الوضع في لبنان يختلف تماماً عمّا هو عليه اليوم.
اليوم، وبعد اعلان رئىس الجمهورية ميشال عون، ان الوضع مقبل على «كارثة وهاوية» إن لم تشكّل الحكومة سريعاً، وبعد «غضب» رئيس مجلس النواب نبيه برّي، لأن «لقمة التشكيل انتزعت من الفم» وبعد تحذير الرئيس المكلّف سعد الحريري من ان تعطيل تشكيل الحكومة يهدد نتائج مؤتمر «سيدر» الايجابية، بعد كل هذا، أيقن الشعب اللبناني أن السكوت هو نوع من الموت البطيء، فبدأت التظاهرات الشعبية تطلّ برأسها ولو خجولة، الاّ انها مع تظاهرة الحزب الشيوعي والشعبي الناصري، ومشاركين من احزاب في السلطة، والعدوى التي انتقلت الى طرابلس وصغبين في البقاع، على اركان الدولة أن يسمعوا جيداً الاصوات المرتفعة لانها ستكون اقوى وأعنف وأكثر تطلبّاً، خصوصاً أن احزاباً اخرى تعاني قواعدها الشعبية المآسي والمظالم والتعاسة ذاتها، التي تعانيها القواعد الشعبية الأخرى، وقد ترى نفسها ملزمة بالنزول الى الشارع للمطالبة بوقف التعطيل والفساد والهدر وسرقة المال العام.
****
الرئيس المكلّف، وصلته على ما يبدو، تلميحات الى امكان حلّ العقدة السنيّة على قاعدة «لا غالب ولا مغلوب» وهو في لندن، فأعلن من هناك انه اصبح على بعد امتار من تشكيل الحكومة، كما ان عدوى التفاؤل انتقلت الى وزير الخارجية جبران باسيل الذي أعلن من الجنوب ان لبنان «محمّي من الجيش والمقاومة وتنوّعه الطائفي»، كل هذا مقدمة لتبشير اللبنانيين بأن هدية الاعياد ستكون حكومة العهد الاولى، وكأنه يملك معلومات ان حزب الله لن يعرقل الحل الذي تم التوّصل اليه في خلال جولة الحوار التي قام بها الرئيس عون، على ان يكون للحريري مواقف مساعدة على تثبيت الحلّ، قد يكون اللقاء مع النواب السنّة الستة في القصر الجمهوري، او في السراي الكبير، ولكن ليس في قريطم.
****
على أي حال بحكومة، او من دون حكومة، حالة القلق عند اللبنانيين المقرونة بالقرف، وصلت الى مستويات عالية، وأي تدبير قد تأخذه الحكومة المنتظرة، مهما كان جيداً، لن يكون قابلاً للحياة، إن لم تستعد الدولة هيبتها وقرارها الحرّ، وسيطرتها على كل شبر من لبنان، وإن لم يستعد القضاء استقلاله، وشجاعته، وحياديته، وعدله، ونزاهته بخلاف ذلك سيبقى سيف الكارثة والهاوية وانهيار الدولة، مصلتا فوق رأس اللبنانيين.