#adsense

الهبوط في قعر العالم

حجم الخط

الهبوط في قعر العالم

راجح الخوري

 

لم يعد السفر الى خارج لبنان متنفسا أو متعة، بل صار مبعثا للأسى وسببا للألم والمرارة. تماما كما لو أن اللبناني دودة قزجيسة يخرج من الشرنقة المقيتة ليعود الى الشرنقة السحيقة.


هكذا تغادر بيروت وأنت في قبضة القلق والترقب والحذر وتعود اليها لتقع في قبضة التحسر والغيظ. ولكأنك تعود الى الوطن الذي صار مطحنة الأحياء والموتى او الى ذلك “الكوكب الاسود الصغير” الذي انفصل عن المدار الطبيعي للنمط البشري المواظب على العمل والنمو والتقدم والارتقاء والبحث عن الافضل.


تماما كمن يعود الى مقبرة حيث اليأس والقنوط والاستسلام والقرف الكبير، أو كمن يعود الى عصفورية حيث صار مفاعل الجنون يجرف كل شيء:


القواعد والاصول والاعراف والمفاهيم وحيث تتقاطع كل تناقضات القبائل وصراعات المذاهب والاديان وتناحر العصابات وقطاع الطرق السياسية، وقتال الوكلاء والمنتدبين الذين ينفذون ما يُرسم من خارج الحدود لهذا البلد المتعوس. وكذلك العراك والنهش اللذان ينشطان بين الذين يبيعون “المسيح اللبناني” وكل ما في هذا البلد من أسمال بأقل من ثلاثين من الفضة.

ربما يكون على اللبنانيين جميعا أن يخرجوا من هذا الجحيم الذي نتقلب فيه ليعودوا صارخين بصوت واحد:
أيها  المجرمون ماذا فعلتم بلبنان؟ وأيها المجانين الى أين تأخذون الوطن؟
طبعا لن يرد أحد في هذه البرية المزدحمة بالكواسر والضواري وحيث الخراف ايضا، الكثير من الخراف، والكثير من الثيران البيض التي لم يصلها القول: “لقد أُكلت يوم أُكل الثور الأسود”.

 

صحيح لم يعد السفر الى خارج لبنان متنفسا. فعلى امتداد أربعة أيام فقط أمضيتها في الكويت للمشاركة في أعمال “الملتقى الاعلامي العربي الخامس” الذي ينظمه الزميل ماضي الخميس بدعم ظاهر من أمير البلاد الشيخ صباح الاحمد، وبتشجيع حماسي من رئيس الحكومة الشيخ ناصر المحمد الصباح الذي رعى الملتقى وتابع أدق تفاصيله – وهو المعروف بحبه وصداقته للاعلاميين – على امتداد هذه الايام الاربعة لم يكن ممكنا إلا أن يجري المرء وعلى مدار الساعة مقارنة بين الوضع التاعس في لبنان والتقدم والنمو والازدهار والبحبوحة والطموحات الكبيرة في الكويت حيث يمكن القول ان الانجازات على كل المستويات الرسمية والمؤسساتية والفردية تسابق حتى الاحلام!


إنها ليست عملية الانفجار الهائلة في أسعار النفط. فالثروة في الكويت كما في كل مكان آخر مادة قابلة للذوبان والتبخر اذا لم يكن هناك من يسهر على تحويلها عناصر راسخة في قوة البلد الاقتصادية والاستثمارية. واذا لم يكن هناك من يخطط لجعل الثروة من الاسس المكينة لاستقرار البلاد وتقدم المجتمع ونمو الفرد والجماعة.


هذه الامور واقعة في أساس السياسة التي طبقها المسؤولون في الكويت منذ زمن بعيد. وعلى سبيل المثال فان سياسة الادخار للمستقبل التي أنشأت في الماضي صندوقا مستقلا للاستثمار هو “صندوق الاجيال القادمة” هي التي ساعدت الكويت على اعادة بناء نفسها بسرعة بعد الغزو العراقي أيام صدام حسين الذي شكل عمليا نكبة العرب الثانية. هذا الصندوق يعمل الآن بكل طاقته لمستقبل الاجيال القادمة ايضا.

 

 

تغرق الكويت الآن في الاستعداد للمعركة الانتخابية النيابية، والضجيج حول الدوائر الكبرى (خمس دوائر بدلا من 50) يذكّر طبعا بالجدال اللبناني حول المحافظة والقضاء، أما الحديث عن الانتخابات الفرعية للقبائل التي تجري الآن وسط جدال متصاعد، فلا يختلف في شيء عن قبليّة الانتخابات كما عرفناها دائما في لبنان.


لكن الفرق يصبح واضحا تماما عندما نتذكر ان المسؤولين هناك يسعون لجعل الكويت درّة الخليج، وأن السياسيين عندنا يجتهدون لجعل “جنة الله على الارض” التي هي لبنان، أرض البؤس والبؤساء. والمثير انه بمقدار ما تنجح المسؤولون هناك في ترجمة طموحاتهم الكبيرة نجح السياسيون عندنا في ترجمة مآسيهم الكبيرة التي أنزلوها بلبنان.

 

وفي الملتقى الاعلامي الذي جمع كوكبة من رجال الاعلام والفكر والثقافة والادب في العالم العربي ومن بعض دول الغرب، كانت أربعة أيام كافية لطوفان من أسئلة الاستغراب والاسى والحزن التي سمعتها كما سمعها كل الزملاء اللبنانيين طبعا، حيث ذهبنا او وجدنا.


كان الامر على شاكلة مجموعة من السكاكين التي تبرم في جرح واحد. الكويتيون جميعا يسألون بألم حقيقي: لبنان الى أين؟ وهل يعقل ان يواجه أجمل بلد في الدنيا كل هذه المآسي؟ وما الذي يمنع اللبنانيين من انقاذ بلدهم الذي يعتصرنا الألم ونحن نراقب أزماته ومآسيه المتلاحقة؟


والكويتيون يحبون لبنان اكثر من كثير من اللبنانيين، بعضهم قال والحسرة في عينيه: سنأتي الى صيف لبنان ولو تحت القذائف، والبعض الآخر تمرغ في المرارة وهو يتساءل هل من الضروري ان يوضع لبنان على حد السكين كما وضعت الكويت؟ هل المسألة متصلة بالاقدار وبالجغرافيا وكذلك بالتجربة الديموقراطية في البلدين؟


واللبنانيون العاملون في الكويت تعتصرهم اللهفة وينهشهم القلق والخوف على مصير الوطن الذي تركوه متعثرا على درب الجلجلة ويخشون العودة اليه الآن وهو على بعد رمية حجر منهم او على نبضة القلب المشتاق.


والكويت دخلت مرحلة الابراج. والصحافة الكويتية خلية تنافس مثير ونصف محرريها على الاقل من لبنان وبعض الصحف صار يصدر بمئة صفحة أو أكثر أحيانا. الاعلانات طوفان لأن الازدهار الاقتصادي بركان متفجر. وليس في الصحف اللبنانية إلا هذا التراشق المقيت بالتصريحات والبيانات، ولكأننا أمام جرائد لا تنشر إلا الوفيات او تبشر بها من أول صفحة الى آخر صفحة.

 

تخرج من ازدحام الاعمال وحيوية الحياة في مطار الكويت لتهبط في مطار بيروت، هنا حيث الصمت والكآبة والحذر والبؤس وعيون اليأس والاستسلام والتجسس والخوف والريبة.


تهبط في قعر البؤس. في ذلك الوطن السحيق الذي لم يعد ينقصه إلا الانهيار ربما ليرتفع فوق خرائبه الشعار الاكثر صدقا:
مات الوطن لتحيا القبائل. مات لبنان ليعيش الذين باعوه بثلاثين من الفضة النظيفة… أو الرديئة!

المصدر:
النهار

خبر عاجل