إذا كانت غاية السياسة هي المحافظة على حياة الإنسان وتوفير أفضل فرص للعيش له، فإننا نرى في لبنان ان الجميع تقريباً غارقون في السياسة فيما حياة الإنسان تأتي في آخر اهتماماتهم.
الجميع تقريباً يهتم بالإستراتيجيات، منهم مَن يهتم باستراتيجية (قمة الأمن النووي) التي انعقدت في واشنطن، منهم مَن يهتم بالإستراتيجية الأميركية في المنطقة، والإستراتيجية الإيرانية التي تقابلها، ولو عادت (حرب النجوم) بين الجبارَين أميركا والإتحاد السوفياتي، لكانت وجدت في لبنان مَن يهتم بها!
ولكن مَن يهتم بـ(استراتيجية الدواء) في لبنان؟
نفتح عيوننا كلَّ يوم على (كارثة صيدلانية) وكأنه لا تكفينا الكوارث في هذا البلد:
ضبط صيدليات تبيع أدوية مزورة، ضبط شحنات في مرفأ بيروت تحتوي أدوية مزورة، هذا عدا الأدوية التي تُهرَّب عبر الحدود البرية.
هكذا، وبدل أن يتناول دواء للعلاج، فإن الذي يتناوله هو السُم في علبة الدواء.
حين يصل الدواء إلى الصيدليات يكون الاوان قد فات، وحين تكون المعالجة بضبط الأدوية الفاسدة في الصيدليات فإن هذه المعالجة تكون تأخرت، فليس كل مواطن لبناني يمتلك مختبراً ليفحص فيه الدواء الذي يشتريه ليعرف ما إذا كان صحيحاً أو فاسداً أو مزوراً، فالمريض المنهمك في العلاج لا قدرة له ولا طاقة ولا وقت لتفحُّص الدواء الذي يشتريه، فما الحل إذاً؟
الحل بسيط جداً وصعب جداً، في آن واحد:
بسيطٌ إذا كان هناك قرارٌ بالمعالجة الجدية، وصعب إذا كانت المعالجة تتم بالوتيرة التي تبدو فيها هذه الأيام.
* * *
بدايةً، مَن يراقب دخول الأدوية إلى لبنان؟
هل المراقبة في المرفأ تتم على يد خبراء؟
لماذا لا تكون هناك لجنة ثلاثية من وزارة الصحة ونقابتَي الأطباء والصيادلة في المرفأ والمطار والمعبَرين البريَين الشرعيَين في المصنع والعريضة، للتدقيق في الأدوية المستوردَة؟
ان هذا الإجراء، في حال اتُخذ، يكون من شأنه قطع دابر إدخال الأدوية الفاسدة والمزورة، وفي حال تم ضبط أي شحنة فان (واجب التوعية) يستدعي نشر أسماء المستوردين ليعرف الرأي العام حقيقةَ مَن يُدخل السموم إلى أجسامهم.
حين يُضبَط سارقٌ فانه يتم تعميم اسمه وصورته في وسائل الإعلام ليكون عبرةً لغيره، لماذا لا يتم اعتماد الأسلوب نفسه حين تُضبط شحنة أدوية فاسدة?
أليس مستوردوها مَن (يسرقون) صحة المواطن؟
فلماذا لا يتم التشهير بهم وتعميم صورهم، ألا يستحقون أن يكونوا عبرةً لغيرهم؟
* * *
ان هذا الملف لا يحتمل لا التأجيل ولا المماطلة، والمطلوب من وزارة الصحة ومن نقابتَي الأطباء والصيادلة أن تضع يدها على القضية لوضع حدٍّ لهذا الإستخفاف المريع بحياة الناس، كما ان المطلوب من القضاء أن يتشدَّد في الأَحكام بحق المخالفين لأن المسألة تتعلق، بكل بساطة، بحياة الناس.