#adsense

مخدرات

حجم الخط

أعجبتني كثيراً يا إخوان، تحركات الجنرال ميشال عون ضد المخدرات في لبنان.
وأكثر ما أعجبني وطحن اعتراضاتي على "نهجه" في السياسة والكياسة ورماها الى الخلف، هو إبرازه حرصاً هيّاجاً، ملتاعاً، أبوياً، شغوفاً واستثنائياً على الأجيال الصاعدة، باعتبار أن آفة المخدرات تفعل فيها العجائب وتدفعها الى مجاهل ما نجا منها أحد من دون تشوّهات فظيعة.

لكن الذي آثار في نفسي سوسة التوقف والتمعّن والتبحّر والتبصّر في خطوات الجنرال وأعادني الى واحدة من أحلى هوايات الصيد، أي صيد السقطات والهفوات والتكويعات والتلوينات والتشبيحات في سيرته، هو أنه ما انتبه الى ما يحصل في بلدنا وجامعاتنا ومدارسنا إلا بعد حادثة عيون أرغش الشهيرة إياها.

وقبلها، وقبل أن أنسى، ما انتبه صاحبنا سابقاً، الى سيرة المفقودين في الحرب إلا لحظة مروره عند أوتوستراد حالات، حيث لعلع نسيم البحر وضرب في رأسه، وأشعل ذاكرته، وأضاء مصابيحها باتجاه واحد، علماً أن الضوء مَشَاعٌ عام ولا يكفي إسدال ستارة على شباك بيتك كي تلغيه من الوجود.

… ما تذكّر إذن قاهر الحشاشين مخاطر تلك الآفة الزحّافة، إلا بعدما وصلت نسائم ريح الشمال إليه، حاملة معها محفّزات الكيد الى آخر نبض فيها، فكاد أن يطُقّ من القهر فجأة على حشيشة قلوبنا، أجيالنا الصاعدة الواعدة إياها، التي تنمو مع صحة، والمشرئبة الى نطح النجوم والركوب فوق قوس قزح!

ليس غريباً هذا الموّال عن أسماعنا، ولا نافرة تلك النوتة في صدح الجنرال منذ أن بدأ يصدح، كما ليس غريباً علينا أن نلحظ هوسه المؤطر صوب جهة واحدة والذي يمنعه من حمل الميزان من وسطه وتمليح مصداقيته قليلاً، كي نستطيع يوماً ما أن نبلعها ونهضمها بالتي هي أسلس ولو لمرة واحدة فقط.

يعني لا تؤاخذونا، إن طار الكلام فوق الأمر المعلوم للصغير والكبير و"المقمّط" في السرير في شأن المخدرات وزراعتها، وهي التي كادت تصير الهواية السرية الأبرز الدّارة للمال في الجمهورية اللبنانية.. والتي جعلتنا في مصاف الأوائل لناحية جودة الإنتاج ووفرته على مدى سنوات طويلة، وأدخلتنا في برنامج خاص للأمم المتحدة سميَ بالزراعات البديلة، نحن وأفغانستان وباكستان وكولومبيا وبعض الدول الأخرى في منطقتنا.

.. أطنان وراء أطنان أنتجها السهل والجبل الأشمّ النائم على كتف الثريا وتوابعه، من منحدرات ومصاطب وجلالي وكل ركن قصي في المناطق النائية، جاعلة من خبريات تجارها وجرأتهم الكبيرة مدار أحاديث الناس في لبنان والمهجر، (رغم كل الجهود الجبّارة والاستثنائية التي قامت وتقوم بها القوى الأمنية)، لكن ما عَلَق شيء من ذلك "التراث" في أنشودة الجنرال عن المخدرات ومخاطرها إلا بعد أن دمعت عيون أرغش.

القصة طويلة فعلاً. وأبوابها وفصولها مليئة بغرائب وعجائب لا تُعد ولا تُحصى، وكلها آتية من عنوان واحد، وراويها بطل واحد صار إسمه من اليوم قاهر الحشاشين.. والسلام!

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل