غريب أمر أهل الديماغوجيا. جنّ جنونهم كيف أن وفدا من "القوات اللبنانية" شارك في احتفال السفارة السورية في لبنان لمناسبة ذكرى الاستقلال السوري.
في الأساس، ولدى قيام السفير السوري في لبنان بتوجيه الدعوة الى كل أعضاء المجلس النيابي بمن فيهم أعضاء تكتل "القوات اللبنانية"، راهن جماعة "شكرا سوريا" على أن الدعوة بحد ذاتها شكلت ضربة معلم من السوريين وبالتالي فقد تمّ إحراج "القوات اللبنانية". إن "القوات" أحجمت عن المشاركة كانت الأبواق جاهزة ومعدّة سلفا لتطلق حملتها على قاعدة سلبية "القوات" المطلقة تجاه سوريا وعدم قبول الدكتور سمير جعجع بأي علاقات مع سوريا ومحاولة تصوير "القوات" وكأنها خارج سرب أي توافق في المطلق. وإن أقدمت "القوات" على المشاركة فعلوا ما كان متوقعا وهللوا محاولين تصوير الأمر وكأنه زحف قواتي نحو دمشق، كما يشتهون في أحلامهم. وهذا بالفعل يشكل مضمون تعليقات عدد كبير من صحف 8 آذار (إقرأ ما كتبته صحيفة "الأخبار" اضغط هنا)، ومضمونا دسما لما كتبته إحدى المستكتبات على موقع العونيين (لقراءة المقال إضغط هنا).
لكن فات أبواق النعيق المشؤومة أن "القوات اللبنانية" ومعها كل قوى 14 آذار ناضلت وتناضل من أجل قيام علاقات مؤسساتية طبيعية وندية ومن دولة الى دولة مع سوريا. واحتفال السفارة السورية في البيال الأول من نوعه في تاريخ العلاقات بين البلدين يرتدي طابعا دبلوماسيا تقليديا في منطق العلاقات بين الدول ويشكل إنجازا إضافيا يدوّن على السجلّ الذهبي لإنجازات "ثورة الأرز" في إطار تطبيع العلاقات الدبلوماسية بين البلدين. ولكل ذلك، ولعدم وجود عداوة في المطلق بين "القوات" وسوريا، جاءت مشاركة وفد "القوات اللبنانية" في الاحتفال الذي نتمنى تكراره كل سنة.
وإذا قلنا إن لا عداوة في المطلق بيننا وبين سوريا فذلك انطلاقا من رغبتنا في معالجة كل الملفات العالقة بين البلدين وفي طليعتها ملفات المعتقلين في السجون السورية، ترسيم الحدود بين البلدين انطلاقا من مزارع شبعا، إنهاء ملف السلاح الفلسطيني خارج المخيمات ووقف التدخل السوري في الشؤون الداخلية اللبنانية بما يعني وقف استقبال أي لبناني رسميا في سوريا خارج إطار العلاقات المؤسساتية بين البلدين. ولكن هذا لا يلغي احتمالات استمرار المواجهة مع سوريا حول كل الملفات المذكورة، وربما لا سمح الله العداوة في أي لحظة يحاول فيها النظام السوري أن يعيد عقارب الساعة الى الوراء للعودة للتدخل في الشؤون الداخلية اللبنانية أو لوضع يده على لبنان.
إن السوريين يدركون جيدا أن أحلامهم بضمّ لبنان أو السيطرة عليه لم يعد من مكان لها، وأن "القوات اللبنانية" ستكون دائما وأبدا بالمرصاد لأي محاولة من هذا النوع.
والسوريون يعرفون جيدا أن مواقف "القوات اللبنانية" ثابتة لا تتزحزح في كل القضايا، بدءا برفضها لوجود أي سلاح خارج إطار الشرعية اللبنانية وتحت أي اسم كان، مرورا بتمسكها بالمحكمة الدولية ومبدأ معرفة الحقيقة وإحقاق العدالة أيا كان المجرمون ومهما علا شأنهم، وصولا الى التمسّك بما لا يرقى إليه أي شك بالحرية والسيادة والاستقلال للبنان وقراره الحر وكل المرتكزات التي قامت عليها "ثورة الأرز".
إن بعض النفوس والأقلام المريضة قد يحلو لها أن تحلم برضوخ "القوات" أو دخولها بازار أي مساومة على حساب الثوابت الوطنية، ولكن قد يكون من الأفضل لهؤلاء أن يستقيظوا قبل أن يدركوا أن ما يحلمون به هو أضغاث أحلام سترتدّ عليهم لتصبح كوابيس تقض مضاجعهم، لأننا من طينة لا تبيع ولا تشتري ولا تبدّل مواقفها واقتناعاتها كما تبدّل ملابسها، ولأننا راسخون في هذه الأرض التي نؤتمن فيها على إرث أجدادنا وقديسينا منذ أيام مار يوحنا مارون، ولا نفرّط قيد أنملة بكل المبادئ التي استشهد من أجلها كل شهدائها. فهل من يعي؟
باقون مع كل حلفائنا في 14 آذار، وفي طليعتهم تيار المستقبل لنحقق مشروع العبور الى الدولة مهما طال الوقت وأيا تكن التضحيات. وإن غدا لناظره قريب…