#adsense

عمروف “بن لادن” القوقاز

حجم الخط

بقلم منير رشدان: منذ انهيار الاتحاد السوفياتي وروسيا تحاول استعادة مكانتها عالميا كلاعب اساسي في السياسة الدولية بوجه الولايات المتحدة المتزادية قوتها في غير مجال والمنتشرة ثقافتها بسرعة العولمة.

الاميركيون الرابحون بحسب فرانسيس فوكوياما في كتابه “نهاية التاريخ” والذين يوسعون اليوم نطاق نفوذهم وفرض ديموقراطيتهم المثلى في العالم، صفعتهم يد الارهاب في هجمات الحادي عشر من ايلول عام 2001، فتزعزعت هيبتهم وجبروتهم والنتيجة كانت الحرب الاميركية على الارهاب، وبالتالي الحرب في افغانستان والعراق ناهيك عن دعم البلدان النامية للسيطرة على التمرد فيها. اما النجاح الاميركي فكان في ابعاد “الارهابيين” وضرباتهم الموجعة عن الولايات المتحدة ، لكن الاميركيين فشلوا في القضاء على الجماعات الارهابية او حتى اضعافها.

التجربة الروسية كانت مماثلة الى حد ما بعدما واجه الروس في تسعينات القرن الماضي جماعات متشددة انفصالية في معارك شعواء في القوقاز – خصوصا في الشيشان – والغرض من الحرب الروسية كان كالغرض الاميركي ابعاد الهجمات الهمجية عن قلب روسيا وتحديدا عن موسكو التي ضربها المتشددون اخيرا وسببوا ارباكا حقيقيا للقادة الروس بعد مقتل أكثر من 50 شخصا وجرح 100 في سلسلة التفجيرات الانتحارية في قطارات الأنفاق في موسكو ومنطقتي داغستان والانغوش اللتين يغلب المسلمون على سكانهما وتجاوران الشيشان في منطقة شمال القوقاز الروسية المضطربة.

اما القوقاز الروسي – وهو منطقة تضم مجموعة من الكيانات الروسية التابعة للاتحاد الروسي الذي يتكون من 83 كيانا فدراليا منها 21 جمهورية ( انظر الى الرسم)، ففيه بعض المناطقة الحامية التي تواجهها حكومة موسكو في حرب استنزافية :
 


* الصورة من ويكيبيديا، الموسوعة الحرة

• الشيشان وهو جمهورية في القوقاز الروسي اعلنت استقلالها من جانب واحد اواخر العام 1991. واندلعت حرب اولى (1994-1996) اسفرت عن سقوط اكثر من 50 الف قتيل وانتهت بهزيمة الروس واستقلال الشيشان بحكم الامر الواقع. ودخلت القوات الروسية مجددا الى الشيشان في تشرين الاول 1999، واستعادت السيطرة على العاصمة غروزني في العام الفين. وفي نيسان2009 اعلنت موسكو نهاية عملية مكافحة الارهاب في هذه الجمهورية التي يترأسها منذ 2007 المتمرد السابق رمضان قديروف والتي شهدت مع ذلك العديد من الاعتداءات منذ ذلك الحين.

• داغستان وهي اكبر جمهوريات القوقاز الروسي وغالبية سكانها من المسلمين. شهدت بعد العام 1999 عمليات توغل للمتمردين الشيشان اسفرت عن مئات القتلى وادت الى الحرب الروسية الشيشانية الثانية. فقد بدأ النزاع الروسي الشيشاني الثاني في 1999 فعليا بعد تسلل مقاتلين شيشان بقيادة شامل باساييف الى داغستان. وردت موسكو انذاك باطلاق هجوم عسكري. وما زالت هذه الجمهورية القوقازية تشهد تمردا مسلحا. وفي 5 حزيران 2009 اغتيل وزير الداخلية اديلغيري ماغومدتاغيروف.

• انغوشيا: جارة الشيشان وهي احدى افقر جمهوريات روسيا. وشأنهم شان الشيشانيين، تعرض الانغوشيون للترحيل القصري في عهد ستالين عام 1944 لاتهامهم بالتعاون مع المانيا النازية. وانغوشيا التي تأثرت بتجاوزات النزاع الشيشاني من اكثر المناطق الروسية عنفا. وقد اصيب رئيسها يونس بيك افكوروف اصابة خطرة في حزيران 2009 في محاولة اغتيال، وفي الشهر التالي قتل وزير البناء روسلان عامرخانوف. كما اغتيل زعيم المعارضة الروسية في انغوشيا مكشاريب اوشيف في تشرين الاول من العام نفسه. وفي 6 اذار 2010 قتل زعيم لحرب العصابات في القوقاز الشمالي وسبعة متمردين يعتقد انهم شاركوا في الاعتداء الذي استهدف في تشرين الثاني 2009 قطار “نفسكي اكسبرس” الذي يربط بين موسكو وسانت بطرسبرغ في عملية في انغوشيا.

• اوسيتيا الشمالية: وهي احدى اصغر جمهوريات روسيا الاتحادية وتضم القاعدة العسكرية الروسية الرئيسة في القوقاز. في العام 1992 وقع نزاع اكثر من خمسمئة قتيل بين اوسيتيا الشمالية، ذات الغالبية المسيحية، وانغوشيا. ويتهم الاوسيتيون الاقلية الانغوشية المسلمة بتغذية الارهاب في المنطقة.

• اوسيتيا الجنوبية التي اعترفت موسكو باستقلالها بعد اقل من عشرين يوما من الهجوم الفاشل الذي شنه الجورجيون لاستعادة السيطرة عليها، هي منطقة انفصالية موالية للروس وقد اعلنت استقلالها عن جورجيا غداة انهيار الاتحاد السوفياتي العام 1991. في العام 1992 بعد نزاع مع جورجيا، اعلن الاوسيتيون الجنوبيون استقلالهم وانضمامهم الى اوسيتيا الشمالية. وانتشرت قوة فصل تضم اوسيتيين وجورجيين وروسا على حدود جورجيا واوسيتيا الجنوبية بموجب اتفاقية، لكن لا تزال هذه المنطقة تشهد اعمال عنف.

كذلك تعرضت اوسيتيا الجنوبية ايضا لتبعات النزاع الشيشاني. وفي عام 2004 شهدت مدرسة مدينة بيسلان عملية احتجاز رهائن نفذتها مجموعة كوماندوس موالية للشيان وكانت الاعنف والاكثر دموية في التاريخ حيث قتل خلالها 334 شخصا من بينهم 186 طفلا.

• ابخازيا تقع على ضفاف البحر الاسود، وقد اعترفت روسيا باستقلالها. وهي منطقة موالية للروس انفصلت عن جورجيا واعلنت استقلالها في 1992 ودافعت عنه بالسلاح. انتهى النزاع الذي سبب الاف القتلى و250 الف نازح جورجي بحسب تبيليسي في 1993 بانتصار الابخاز بدعم من موسكو.

• ناغورني قره باخ، وهو جيب مأهول بغالبية ارمنية في اذربيجان، شهد نزاعا داميا مطلع التسعينيات. وما زال هذا الجيب منذ وقف اطلاق النار في 1994 تحت سيطرة الارمن الذين حققوا نصرا على الارض. لكن الحوادث بين القوات الارمنية والاذربيجانية ما زالت مستمرة منذ ذلك الحين.

هذه المناطق الروسية تسبب قلقا حقيقيا للقادة الروس الذين يخشون امتداد العنف الى المدن الرئيسة، فيما بات العدو الاساسي زعيم جماعة “امارة القوقاز” الاسلامية المتمردة دوكو عمروف الملقب بابو عثمان الذي اعلن مسؤولية حركته عن الاعتداءين الانتحاريين اللذين اوقعا 39 قتيلا اخيرا في موسكو. وفي شريط فيديو صور في 29 من اذار 2010 اعلن عمروف ان الهجوم على مترو موسكو يأتي “انتقاما للمجزرة” التي نفذتها القوات الروسية في 11 شباط في جمهورية انغوشيا في القوقاز، مفسرا انه في هذا اليوم اعدم مواطنون شيشان وانغوش بالقرب من قرية ارشتي خلال عملية نفذتها عصابات القوات الخاصة الروسية على حد تعبيره. واكد دوكو عمروف انه اعطى بنفسه الامر بشن هجومي موسكو اللذين نفذتهما انتحاريتان في محطتين للمترو في وسط المدينة بفارق 40 دقيقة. والاخطر كان تهديده روسيا بأن “الهجمات على الاراضي الروسية ستستمر”، انتقاما لما تفعله القوات والاجهزة الخاصة الروسية في القوقاز.

من هو دوكو عمروف؟

دوكو عمروف أحد آخر الزعماء الاصليين الباقين في التمرد الشيشاني الذي بدأ اوائل التسعينات، والمطلوب الأول بين قادة المتمردين ولد في نيسان 1964 في قرية خارسينوي جنوب الشيشان وتخرج في قسم التشييد في معهد النفط في غروزني.

عمروف تبنى لقب “أمير إمارة القوقاز” وأعلن سيادة جماعته المتمردة على داغستان والشيشان والإنغوش واوسيتيا وسهل نوجاي ومناطق كاباردينو بالكاريا وكاراتشاي وتشيركيسيا في جبال القوقاز الشمالية. وظهر كزعيم للتمرد الشيشاني مع اكتساب التمرد الذي بدأ في الأساس كانتفاضة عرقية وقومية طابعا إسلاميا اكثر قوة مع شن الحرب الثانية في 1999.

عمروف حدد هدفين للجهاديين في القوقاز: الأول هو طرد غير المسلمين وفرض الشريعة الإسلامية والثاني توسيع دائرة الجهاد إلى خارج القوقاز. اما الوسائل المعتمدة فتقول مواقع المتمردين على الإنترنت إن عمروف يقود مجموعات صغيرة من 10 إلى 12 فردا تعمل كل مجموعة منها في الجبال الشيشانية، وتشن حرب عصابات ضد القوات الخاصة الروسية.

في ظل المخاوف من انفجار امني كبير في روسيا، وبعد توقيع معاهدة ستارت الجديدة للحد من امتلاك الاسلحة النووية والليونة الروسية في الموضوع الايراني، يبقى التساول: هل ان التعاون اللافت بين الروس والاميركيين منوط بتنسيق اميركي روسي للاقتداء بالتجربة الاميركية في الحرب على الارهاب ام انه تخوف روسي من دعم اميركي لمتمردي القوقاز الذين قد يقلبون الوضع في روسيا رأسا على عقب؟
 

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل