من "المقاومة" إلى "إلغاء الطائفية" ومن "حقوق المسيحيين" إلى "الدولة العلمانية".. اللعبة نفسها
المفاهيم المجرّدة تقوّض فعل التفكير
نكبة لبنان في المفاهيم "المجرّدة". "المقاومة".. "العلمانية".. "إلغاء الطائفية السياسيّة".. "حقوق المسيحيين".. "اصلاح".. كلّها مفاهيم مجرّدة، وجعبة 8 آذار لا تنضب منها. ليس هناك أي مفهوم من هذه المفاهيم المجرّدة يمكن أن تجمع عليه كل قوى 8 آذار بنفس القناعة والحماسة والحجّة، مع ذلك فإنّ هذه القوى لن تتوقّف عن الترويج لسلسلة لا آخر لها من المفاهيم المجرّدة.
وإذا كان الفيلسوف الأسقف جورج بركلي قد بيّن منذ وقت طويل بأنّ المفاهيم المجرّدة لا حيّز لها في الوجود، وأن الإعتقاد بوجودها أو الترويج لهذا الإعتقاد هو فاتحة كل ضلال، وأنّ الموجود هو ما ندركه فحسب، فإنّ تصويباً للنظرة اللبنانية على طريقة بركلي هو مطلوب الآن. إن إعادة المفاهيم إلى دوحة "المحسوس والملموس" هو الشرط الأوّلي لمواجهة التحديات والأخطار التي تواجهنا أو تداهمنا.
حتى الساعة، ما زال يجري التعامل مع مفهوم "المقاومة" كما لو أنّه مفهوم مجرّد، لا يساءل في ذاته. يعتقد البعض أنّه من الأجدى الإتفاق مع "حزب الله" في المجرّد والإختلاف معه في الملموس حول مفهوم المقاومة. لكنّهم بإعتقادهم هذا يغفلون أنّ "حزب الله" يستعين "عملياً" بهذا المفهوم المجرّد، وأنّ هذا "المفهوم المجرّد" هو الذي يضغط على واقعنا الملموس. إن منطقاً من قبيل "هذه ليست مقاومة" و"هذه ليست كل المقاومة" يعود بالنتيجة لتسويغ فكرة "المقاومة" عن نفسها، أي فكرة أنّها تعبّر عن مفهوم مجرّد، وأنّها لا تساءل في مطلقاتها ومجرّداتها وإنّما في ملموساتها التطبيقية، وبالنتيجة لا تساءل في القضايا الكبيرة وإنّما في الجزئيات.
وكذلك كلما أنزلت قوى 8 آذار مفهوماً مجرّداً آخر إلى التداول، أنساق الردّ عليها إمّا محاولة للتنازع على المفهوم المجرّد نفسه، وإمّا محاولة للرّد عليه بمفهوم لا يقلّ تجريداً، وفي أحسن الأحوال إلى محاولة "تحييد" المفهوم المجرّد، في مسعى متفائل يستهدف تعطيله.
وهكذا يتردّد الكثيرون حيال المفاهيم المجرّدة التي تروّج لها 8 آذار، فيأسرون نفسهم في منطق "نوافق على المبدأ ونختلف في التوقيت"، كما جرى في حال مفاهيم مجرّدة مثل "الغاء الطائفية" و"الإصلاح"، أو "نوافق على المبدأ شرط وضعه في كنف مبدأ آخر" كما جرى في حال "المقاومة".
ويأتي أيضاً مفهوم لا يقلّ تجريداً هو مفهوم "العلمانية" ليدلي بدلوه. فهذا المفهوم مجرّد أكثر من سواه، لأنّه إذا كان تعريف الدولة العلمانية أنّها لا تحدّد دين لها، فالدولة اللبنانية لم تحدّد أصلاً ديناً لها، وإذا كان تعريف الدولة العلمانية في فرنسا أنّ مؤسّساتها مستقلّة عن مؤسّسات الكنيسة فإن الدولة اللبنانية مستقلّة مؤسّساتها عن مؤسّسات الكنيسة، وإذا كان تعريف الدولة العلمانية في تركيا أنّها تضبط حكومياً المجال الدينيّ، فإنّ الدولة اللبنانية تقوم بالشيء نفسه على الصعيد الإسلاميّ. يتهافت المفهوم المجرّد لـ"العلمانية" إذاً ولا نعود ما الذي يعنيه دعاته بالملموس.
والحقّ أنّه إذا كانت مفاهيم مجرّدة كـ"المقاومة" و"الغاء الطائفية" و"حقوق المسيحيين" و"الإصلاح" هي مفاهيم تخصّ 8 آذار، فإنّ مفهوم العلمانية يضيف منتهى الإلتباس إلى منتهى التجريد. إنّه ملتبس لأنّ البعض يريد به التمايز في إطار الدفاع عن المفهوم المجرّد لـ"المقاومة"، بل لزيادة "المقاومة" تجريداً على تجريد، بالإيحاء أو بالتنظير إلى أنّ المقاومة الموجودة هنا، على الأرض، أي "حزب الله"، ليست إلا نموذجاً تطبيقياً لمثال "المقاومة" الموجود "لا نعرف أين". أما البعض الآخر فهو ما زال يعتقد أنّه يمكنه، من خلال العروج على مفهوم "العلمانية" أن "يفحم" أولئك الذين يتمسّكون بمفهوم "المقاومة"!
إنّ ردّ "المجرّد" إلى "الملموس" مهمّة غير سهلة، لكنه لا يمكن اعادة الوصل مع فعل التفكير في لبنان إلا إنطلاقاً منها، ولا يمكن أن تجد القضايا المستعصية طريقها إلى الحل إلا بردّ "المجرّد" إلى "الملموس".