يلاحظ رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط أن المسلمين في الأمانة العامة لقوى 14 آذار "يتكلمون كجعجع"، وفق حرفية ما نقلته عنه يومية "الأخبار".
دقيقة، من دون شك، ملاحظة وليد بيك ولكنها لا تعكس "كل الحقيقة" حيال رئيس الهيئة التنفيذية للقوات اللبنانية.
المشهد الأكثر اكتمالا هو أن اللبنانيين السنة تحديدا واللبنانيين الشيعة من قوى 14 آذار واليسار الوطني المنضوي في 14 آذار لا يتحدثون في القضايا الوطنية المفصلية إلا كجعجع، ليس لأنهم أعضاء في "القوات اللبنانية" بل لأن جعجع، عندما يتكلم، يجهر بما يختلج في نفوسهم، لا يناور … ولا يقدم تنازلات.
واحتراما لطلب الحليف-الحبيب وليد بيك بضرورة الأخذ في الاعتبار "خصوصية الجبل وخصوصية الدروز" لن أحاول تظهير "كل الحقيقة" حيال مواقف مختلف الوطنيين اللبنانيين من جعجع، وثورة الأرز … ولبنان أولا.
معه حق وليد بيك في أن "اليمين اللبناني ليس مسيحيا فقط".
"كان هناك أيضا كامل الأسعد. قاومناهم مع سليمان فرنجية ورشيد كرامي ونبيه بري،" هكذا قال وليد بيك.
هل فرنجية، وكرامي، وبري من أرباب اليسار؟
أذكر أن فرنجية (الجد) كان قد نجح في امتحان اليسار الذي أجراه له الراحل جورج حاوي في السيارة "كي لا يصل إلى مسامع المخابرات" ولكن لماذا قاتلناه لاحقا بقيادة زعيم اليسار كمال جنبلاط إذا كان يساريا؟
وإذا كان بري من اليسار، فلماذا قاتل الحزب التقدمي الاشتراكي بقيادة وليد بيك حركة أمل بقيادة الأستاذ نبيه؟ أو ربما أصبح بري يساريا بعدما ولّي رئاسة المجلس النيابي "إلى الأبد"… على عكس فرنجية الذي عادى اليسار بعد توليه رئاسة الجمهورية.
كرامي، رحمه الله، كان في نفس موقع دولة الرئيس حسين الحسيني أطال الله عمره … وطنيا خارج تصنيفات اليمين واليسار. قتل الأول في الحرب الأهلية وقتل الثاني سياسيا في حقبة الوصاية … حتى استقال … وما زال!
أيهما أكثر بعدا عن اليمين الخشبي؟ الثورة الاجتماعية الأولى التي يشهدها المجتمع المسيحي منذ طانيوس شاهين والمسماة "القوات اللبنانية" بقيادة سمير جعجع أم "حزب السلاح" الماضوي ومقاومته الشمولية؟
يقول وليد بيك "يتحدث جعجع اليوم بلغة بشير (الجميل) واليمين اللبناني".
وَلَوْوو.. يا بيك. أي متدرج في مختلف مدارس اليسار يستطيع، ومن دون كثير جهد، ملاحظة الفرق والفارق بين "الشيخ بشير" وسمير … تلميذ ثانوية عين الرمانة.
ما فشل "اليسار الوطني" في استيعابه، ربما لأن اليسار القومي ابتلع بصيرته، على ما كان يحذر منه كمال جنبلاط رحمه الله، هو أن قوات سمير جعجع هي الثورة الاجتماعية الأبرز في تاريخ مسيحيي لبنان.
على سبيل التذكير، كان المعلم ينصحنا بتفادي التحالف مع اليسار القومي في انتخابات الاتحاد الوطني لطلبة الجامعة اللبنانية في العام 1970 لأن اليسار القومي "يأكل دور التنظيمات الوطنية" على حد تعبيره الذي ما زلت أذكره جيدا. لذلك أبقينا "البعث" و "إ.ق.ش.ع" (إتحاد قوى الشعب العامل) خارج تحالفاتنا … وفزنا في الانتخابات.
أنا لا أحاول أن أدافع عن الحكيم يا بيك، ولكني أتعمد التمسك بما علمني إياه كمال جنبلاط. علمني أن أراهن دائما على المبدأ كي أكسب في المصالح.
ربما يقتضي الظرف أن تراهن على "المصلحة" يا بيك كي تنتصر للدروز في حرب البقاء. أتفهم خيارك وأحترمه، بل اؤيده أيضا ضمن قراءتي لخصوصية الجبل وخصوصية الدروز كما عرضتها أنت.
ولكن، أتمنى عليك أن تحترم خيارات الآخرين من حلفائك المخلصين في 14 آذار، حتى من دون أن تؤيدها، بل يكفي ألا تستهزئ بها وبهم… وفي مطلق الأحوال تبقى الحليف-الحبيب، وصدق جعجع عندما قال "ضرب الحبيب زبيب".
أذكر يا بيك أنك تساءلت قبيل انتخابات العام 2005 "من يقدر أن يواكب صولانج الجميل في جولة على حي بربور" بمنطقة المزرعة. يومها فازت السيدة صولانج بالتزكية، من دون مواكبة.
السؤال اليوم في الطريق الجديدة، مثلا، ليس عمن يستطيع أن يواكب جعجع في جولة، بل هو وبكل صدق: "قولك، بيستقبلنا الحكيم إذا طلبنا موعد".
الذي تغير هو أن الأرض أضحت "تتكلم عربي باللهجة اللبنانية". لم يعد الانتماء العربي في لبنان يمر باعتناق لهجات عربية … غير لبنانية.
العروبة بألف خير في لبنان خصوصا لدى المسلمين الذين "بيحكوا مثل جعجع" والدليل على ذلك أن أحدا لم يعد بحاجة إلى اعتناق لهجة غير لبنانية كي يثبت عروبته.
هل تعتقد يا بيك أن مصطفى حمدان، صاحب "المرتبطون الجدد بثقافة المقاومة"، يمثل اللبنانيين السنة من مروحين جنوبا إلى عكار العتيقة شمالا مرورا بشبعا وعرسال وغيرهما حيث يرغب في نشر صواريخه؟
هل تعتقد يا بيك أن أسامة سعد، واتحاد العلماء الإيرانيين (عفوا) المسلمين، وجماعة جبهة العمل الإيراني (عفوا) الإسلامي وبقية الفرافيط إياهم يمثلون اللبنانيين السنة بقدر ما يمثلهم … سمير جعجع؟
عفوا، لا تؤاخذني، سقط من الحسبة الوطنية صاحب الخيارة عبد الرحيم مراد وسعادة نائب شبعا المرموق قاسم هاشم الذي يمثل 2% من ناخبي بلدته المناضلة. بقية بلدات العرقوب، باستثناء نصف بالألف من سكان كفرشوبا، يؤيدون تيار المستقبل المتحالف مع قوات سمير جعجع ومسيحيي 14 آذار … وينطقون بلغة لبنان أولا والعلاقات الطبيعية مع الجمهورية العربية السورية والانتماء العربي ويرفضون الشراكة مع إيران ويعتبرون أن السلاح غير القانوني، أي سلاح غير قانوني، هو سبب كل بلاء في لبنان.
نحن، يا بيك، نحترم خياراتك وخيارات الطائفة الدرزية الكريمة كما خيارات الحزب العريق، ولا نسمح لأنفسنا حتى بمناقشتها.
نعلم أننا كنا دائما حلفاء، ونعلم أيضا أننا لن نكون يوما خصوما، بغض النظر عن التموضع السياسي الذي تختاره والظروف التي قد تحتم ترقية "زرزور" إلى مستوى "شاهين" في جبل كمال جنبلاط ومجيد أرسلان. نتمنى فقط أن تحترم خصوصياتنا، خصوصا أننا سنبقى "نتكلم كجعجع … وجعجع يتكلم مثلنا".