#adsense

الحوار المفخَّخ

حجم الخط

الحوار المفخَّخ

بول شاوول

 

ما زلنا نتذكر طاولة الحوار المستديرة التي توسّطت قاعة مشعشعة بأنوارها، نظيفة هفهافة، وحول الطاولة تَجالَسَ زعماء لبنان: تقريباً كلهم. الأعداد مكتملة. والوجوه، وجوه الجالسين، وَضّاءة، سمحاء، تبدو متفتحة، والأيدي أيضاً تبدو ممدودة، سخية في مدّها، رخيّة في انبساطها: إنها فعلاً طاولة حوار. ولكم أحب اللبنانيون هذه المشهدية الجمالية التي تُذَكِّر بطاولة “العشاء الأخير” التي ضمت كل تلاميذ المسيح، وكان اللقاء الأخير، قبل الجلجلة، والصلب… إذاً، كان للطاولة، هذه بأيقوناتها “المحنية” من فرط الحنو والحنان وحب الوطن، ما يُذكِّر بتلك اللحظات العجائبية التي تسبق المفاجآت الصاعقة التي كان ينتظرها اللبنانيون، من هذه الصورة المجلَّلة بالهيبة، لاجتراح لبنان آخر، لبنان يشبه نفسه، كما بُني على امتداد مئات السنين، وأرسى قيم الحرية، والديموقراطية، والتكافؤ والحضارة، والإبداع… والدولة التي أساسها العدل والعدالة والسيادة، واحترام حقوق الناس، وتأمين مستقبلهم، ومستقبل أولادهم… هذا ما انتظره الناس على أحرّ من الجمر من تلك الطاولة المستديرة وقد عزّز “تفاؤلهم” بهذه الطاولة المسطحة ان الجالسين إليها، اجتمعوا منفتحين على بعضهم، “أحراراً” في قراراتهم، و”طنيين” في وطنهم، “لبنانيين” في لبنانهم… وبرئاسة نبيه بري: لمزيد من الشفافية والصدقية.


كان ذلك وحي المشهد العمومي: التلفزيوني أو الفوتوغرافي أو السينمائي سيّان. إنه المشهد نتذكره. لكن يبدو أنه كان مشهداً. لقطة من شريط. شريطاً من لقطات: مكبّرة، وزوم. ومتوسلة: الوجوه تملأ الشاشة بتفاصيلها وتعابيرها. كل وجه صبوح يقتحم ببشاشة الجمهور. والكاميرا. عال! سينما! إذاً! أو مسرح! أو سينما داخل المسرح: أو مسرح داخل السينما. أو ناس في سينما. أو سينما في ناس: اللحظة افتراضية إذاً. لكن اللحظة الافتراضية يمكن أن تشكل زمناً درامياً أو فجائياً أو “جلجلياً” أو كربلائياً (لحفظ التوازن الوطني بإذنه تعالى) خصوصاً إذا فاجأت الحضور وكذلك الجمهور. ذلك ان المجتمعين أصروا بعد كل اجتماع على التعبير عن “تفاؤلهم”، وعن سعادتهم باتخاذ قرارات بالإجماع: كالمحكمة الدولية وترسيم الحدود مع سوريا، ومنع السلاح خارج المخيمات. عال! أبشروا وكم اغتبط الناس عندما اطمأن المجتمعون الى بعضهم ثم طمأننا بعضهم بأن لا حرب وشيكة مع اسرائيل وان الموسم السياحي سيكون من أحلى المواسم ومن أدرّها، وأسخاها. وان لبنان سيكون بألف خير وستتدفق عليه النعم والأمن والسياح والمساعدات!


لكن الصورة العجائبية الأيقونية انكسرت وَزُجَّت في الأدراج، أو في ألبومات الذكرى. وكلام النهار يمحوه النهار والليل والظهيرة! وهكذا كان. أولى ثمار طاولة الحوار هذه كانت حرب تموز المظفرة لا لأن الحضور لم يناقشوا الحرب التي أعلنها فريق أساسي كان موجوداً بينهم، بل لأن هذا الفريق قرر الحرب من دون أن يسألهم حتى في عز الحوار والثقة وهم يمثلون كل الشعب. فكأن، ذلك الحوار لم يكن أكثر من عملية إلهاء إزاء التحضيرات السرية على اللبنانيين للحرب. بتداعياته الانقلابية والتدميرية. حوار الجميع وقرار المفرد. وبعد الحرب تخلخلت الطاولة وانطفأت الأنوار وخرجت الوجوه من أيقوناتها: من زمن الحوار الى زمن القطيعة، من زمن الإجماع الى نكرانه، من زمن اللقاء الى زمن الافرنقاع، من زمن التبادل الى زمن التناكر. فالتخوين فالالغاء… فالانقلابات!
الحوار قطعته الحرب الخاصة، واستتبعته حروب موجهة الى الداخل: الى الدولة أولاً، والى أكثرية الناس، والى الكيان… والجمهورية والدستور والمعادلات التاريخية. فما أجمل طاولة الحوار عندما تصير “نعشاً” للحوار وجنازة للسلم الأهلي! فهل خَدَعَ بعضُهم الآخر في تظاهرة بالترحيب الحار بالحوار وإبداء النيات الرقراقة، القراح، وهو يشحذ أسلحة الحرب كجزء من رحلة انقلابية عنيفة. وهل خَدُعنا، كلنا، ونحن نبتسم لبسمة هذا الزعيم أو ذاك وننفرج (بكل حواسنا وشفافنا وأكبدتنا وأعضائنا) لانفراج أساريره، كما الصبية الأبرياء… الذين عليهم أن يصدّقوا من “هم” أكبر منهم، وأجلّ منهم، وأفهم منهم! فما بالك إذا كانوا من جبلّة غير بشرية!


إنها الخدعة. طاولة الحوار كانت خدعة محبوكة بإتقان. لتهميش المؤسسات واللعب على الوقت، وتغييب الدولة، لتكون القرارات الفئوية “شرعية” (بما فيها قرارات الحرب والسلم وهي في يد حزب ـ أقلية!)، ولتكون تجربة لتفكيك كل شيء، وتوريط اللبنانيين بحروب داخلية: فمجلس النواب أغلقه “صاحبه”، ووليُ أمره باعتبار أنه هو الذي انتخب المجلس والنواب، وليس النواب مَنْ انتخبوه، والحكومة تعرّضت لأبشع أنواع التنكيل والاتهام بالتخوين واللاشرعية واللاميثاقية! ثم ولترسيخ “حوار” الطاولة المستديرة، احتل المنقلبون وسطَ العاصمة كامتداد للنصر الالهي، باعتبار أن هذا الوسط “أرض معادية” أو أرض “تمّ تحريرها” من العدو! ولكي نحنّ الى الطاولة المستديرة بوجوهها “الأيقونية” الفائضة سلاماً وزيتاً… ومياهاً مقدسة، تمت محاولات انقلابية في كانون الثاني، ثم المحاولة الانقلابية “لصنيعة” الوصايتين شاكر العبسي… ثم إحداث فراغ في منصب رئاسة الجمهورية الشاغر (هو أصلاً شاغر)… ومحاولة تعطيل كل ما يمت الى البلد بصلة وصولاً الى ضرب الاقتصاد، لإفقار الشعب (الذي باتوا يعاملونه كشعب معادٍ)!


إذاً، كل هذا كان من ثمار “الحوار” الشيّق الأنيق، أو الحوار، الخديعة الذي فرطوه قبل الحرب تمهيداً للاستيلاء على السلطة وتحرير لبنان “من عملاء اسرائيل وأميركا”!… أي ما قد يؤدي الى حرب أهلية… أو تقسيم أو تفريخ كانتونات شبيهة بالكانتون الالهي! أي ما يؤدي الى ضرب السيادة والمحكمة… وإنجازات ثورة الاستقلال.


فإذا كان حوار بمثل ذلك المستوى الرائق الجميل “الشفاف” الصافي الصادق الصدوق أدى الى كل هذه الكوارث، الى تهديد الدولة نفسها، فكيف يمكن أن يكون حوار “جديد” يدعو إليه الرئيس بري. فبحوار واحد ما “خلصنا” فما بالك بحوار آخر يبدو أنه لن يكون سوى محاولة لتصوير الأزمة القائمة (المفتعلة من 8 آذار ومن وراءَهم) وكأنها لبنانية ـ لبنانية! وهي الأسطوانة التي اعتدنا سماعها وتردادها من أصوات وأبواق كل الذين “احتلوا” القرار اللبناني على مدى 30 عاماً وصادروه أو أثاروا الفتن، والحروب، وارتكبوا المجازر وفجّروا الحروب ليبقى البلد منقسماً ويسودوا هم كوصاية من هنا وكوصاية من هناك. وكان الجميع يقولها أيضاً كاليوم: “المسألة بين اللبنانيين”. أو “نحن على مسافة واحدة من اللبنانيين”. أو “نؤيد ما يتفق عليه اللبنانيون”. وهذا ما نسمعه اليوم (الأمس) من الوصايتين، لتنفيا تورطهما في الأزمة، وحؤولهما دون استكمال الاستحقاقات الدستورية والرئاسية.


إذاً، نحن، بحمده تعالى، أمام دعوة “صادقة” من الرئيس بري للحوار من أجل الخروج من الأزمة. وبما أن الحوار سيكون بين اللبنانيين، فيعني أن اللبنانيين قادرون “بإراداتهم” الذاتية غير المغشوشة، على حل مشاكلهم بأنفسهم، وإذا لم ينجح الحوار (كما سبق) فيعني أن اللبنانيين عاجزون، لقصورهم، وجنوحهم نحو العنف، والتخريب، وكل ما عداهم من وصاية أو أكثر بريء من دم هذا الصدّيق. براو! والدليل ان الرئيس بري كرر مراراً أن الأزمة اللبنانية مرتهنة حلولها بتقارب سوري ـ سعودي (لم يذكر إيران!). عال يا سيدي: وإذا افترض اللبنانيون جدلاً أن هذا الحوار ضروري، أفليس من المنطقي أن يسألوا 8 آذار وأهل الوصايتين: ماذا حلّ بالقرارات التي اتخذت بالإجماع في الحوار الماضي رقم واحد: أو العنبر رقم واحد! وإذا كان الحوار ضرورياً اليوم فلماذا لا يكون في مجلس النواب الذي يمثل كل اللبنانيين تمثيلاً شرعياً، بل ولماذا يكون مجلس النواب مقفلاً بإرادة فردية ذاتية من رئيسه (تأملوا أن رئيس مجلس النواب هو الذي يعطّلهم: وماذا يمكن أن يفعل رئيس مجلس في تغييب مجلس يرأسه)، ويكون محاصراً بالأشاوس أيضاً بإرادة “إلهية” وسامية هابطة من لدن هذه الوصاية أو تلك… ليشمل الحصار السرايا الحكومية التي يرى الرئيس بري أن الحكومة تغتصب السلطة!


إنه الوعد بالحوار: عيدية جديدة وعرس جديد واحتفالية جديدة: فأبشروا أيها اللبنانيون بحلول وشيكة لأزماتكم تنطلق من هذا الحوار كما انطلقت من الحوار السابق. وإذا شككتم لحظة بنيات 8 آذار فعودوا الى الأرشيف الذي سبق الحوار الماضي وما أعقبه، فسيدبّ في أوصالهم الفرح، والغبطة وينمو في قلوبكم الأمل والنمو الاقتصادي، والانفراج الأمني… إذاً، الرئيس بري هو الذي يريد الحوار. متى: بعد القمة! براو! ومتى: بعد تعطيل انتخاب مرشح التوافق العماد ميشال سليمان. ومتى: بعد التأييد العربي العارم للبنان. إذاً لا بد من أن الدعوة الى الحوار رؤوم. نعم! إنه يمكن أن يطمئن اللبنانيون الى أن هذا الحوار (الافتراضي) المفخخ سيكون بديلاً من الحلول، وسيكون تمديداً للأزمة، وتمديداً للمحاولات الانقلابية التي تُحضَّر، وللفتن التي تُهيَّأ في أقبية المخابرات العربية ـ الأعجمية ـ الاسرائيلية! (تقاطع رائع!): حوار من فوق الى طاولة لماعة نظيفة ووجوه صبوحة ومصانع الحروب تشتغل من تحت تصريحات نعنوعة، معسولة من فوق، وجحيم يتفجر من تحت.

 

وهكذا يكون الحوار “تشريعاً” لإغلاق مجلس نبيه بري، وتشريعاً لعدم انتخاب رئيس للجمهورية، وترسيخاً لاحتلال وسط العاصمة (باعتباره ملك آباء وأمهات 8 آذار وأربابهم)، وتعزيزاً لاتهامات بتوع الوصايتين الحكومة باللاشرعية واللاميثاقية، وكذلك لتخوين ثلاثة أرباع اللبنانيين. كأنما الدعوة الى الحوار تقول: لا حل في لبنان قريباً، لا بالنسبة لانتخاب رئيس للجمهورية، ولا لانتخابات نيابية مقبلة، ولا ربما لتعيين قائد جيش جديد. ولا إقلاع عن المنطق الانقلابي، ولا حتى اعتراف بالمجلس النيابي. والذي يرشح نفسه لرئاسة جلسات الحوار هو الذي سبق أن ترأس جلساتها السابقة (لتعطيل المجلس)، وهو من صلب 8 آذار: الُحكم والَحكَم!


ونظن ان من بين الأهداف المرسومة في هذه الدعوة محاولة تصفية شبه الإجماع العربي حول لبنان، وكذلك جعل الحوار وكأنه الوجه ـ النقيض لهذا الإجماع، والمنطق التبريري لفشل قمة دمشق: هنا “قمة” لبنانيين مذنبين ومتهمين بالاساءة الى لبنانهم وها هم يتحاورون حوار الخرسان والطرشان والعميان… والمجانين، وهناك قمة تنضح بالمحبة، والوئام، والعقل… والحرص على مصلحة اللبنانيين مقابل شبه إجماع عربي… مشبوه! قمتان: واحدة بلدية “مشؤومة” وأخرى أخوية تنضح بالخير والسؤدد والممانعة والحرص على مصيرنا!


فالإجماع العربي مشبوه لأنه يساعد على حل الأزمة اللبنانية، و”قمم” الوصايتين مباركة لأنها تخطط لكل ما أصاب وما سيصيب لبنان. فكل من يعنّ بباله أن يُعين لبنان فهو مشبوه! وكل من يتآمر للانقضاض عليه مخلص وصديق وصدوق ومصداق ومصديق!


عال! هذه ربما معاني الدعوة الى الحوار المفخخ الآن. حوار يأتي من أهل اللاحوار. من أهل القطع والفصل! من أهل العنف وقطع الطرقات وإحراق الدواليب والاعتداء على الناس وغزو الأحياء وتبرير الكانتونات، وعدم الاعتراف لا بالدستور ولا بالقانون ولا بالديموقراطية ولا بالسيادة! تأملوا. كيف يكون حوار يدعو إليه الانقلابيون! هؤلاء يدعون الى الحوار بلسان الرئيس بري؛ أكثر: هؤلاء يتهمون السنيورة بأنه أفشل الحوار السابق وهو الذي “هيأ للحرب وهو استدعى العدو بخطفه الجنديين الاسرائيليين وهو المسؤول عن الوضع الاقتصادي… وهو مغتصب السلطة! فأي حوار يرتجى في ظل هذه المناخات المسمومة التي يشيعها هؤلاء! وأي حوار هذا لا يتضمن سوى أجندة “غيبية” “سفسطائية”… وتكون ذريعة أو قناعاً…

 

لجعل الأزمة الراهنة أزمة دائمة، وجعل لبنان مجرد رهينة بأيدي هؤلاء المكبلة أصلاً بالقبضات الخارجية! وأي حوار هذا مرصود بفئات مدججة بالصواريخ والمدافع بالناس والأسلحة… مقابل فريق أعزل ما زال يؤمن بالجيش وقوى الأمن والدولة مآلاً له ودرعاً! كأنه حوار التهويل والتهديد والترويع وشَهر الأصابع والزلاعيم والتخوين… وتغطية الاغتيالات والقتلة.
إنه الحوار المفخخ بامتياز. الحوار الذي لُدغ اللبنانيون من جحوره… مرات! فهل يلدغون مرة أخرى من هذه الجحور المسمومة…


فهل يعني ما نقول أننا ضد الحوار؟ معاذ الله! فنحن محكومون بالحوار الحر الشفاف المسؤول والملتزم.
أما حوار “الثلاث ورقات” و”ضرب الكم” و”لعبة الكشاتبين” فهي لعب المقامرين بمصير لبنان… حتى لا تبقى فيه ورقة خضراء واحدة!

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل