هل تكون الانتخابات البلدية فرصة لتطوير المشهد السياسي؟
شرطان يحولان دون تحقيق التوافق في بيروت
لعل الانتخابات البلدية في بيروت يمكن أن تكون مناسبة لتحقيق إيجابيات على مستوى المشهد السياسي ولا سيما ما يتعلق منه بالعلاقات القابلة للتحسن والتطور نحو الأفضل بين رئيس الحكومة سعد الحريري و"حزب الله" من جهة، وبين الحريري ورئيس "تكتل التغيير والاصلاح" النائب ميشال عون من جهة أخرى، وذلك عبر طريقة التعامل مع هذه الانتخابات التي يمكن من خلالها تسجيل خطوات متبادلة وتبادل حسن النيات بين الأطراف الثلاثة.
وتبدو المشكلة، كما كانت في مرحلة تأليف الحكومة، في مطالب عون المدعوم في كل ما يطلب من "حزب الله" والذي يقبل "بما يقبل به الجنرال"، ويدعو إلى محاورته.
وهذا ما لم يشكّل مشكلة في الأساس، بل في الشكل. فالحريري، وفق أوساطه، لن يتدخل في أي شكل في مسألة التمثيل المسيحي في مجلس بلدية بيروت، مع حرصه الدائم على المناصفة والتوازن. وعلى هذا الأساس تركت كتلة "المستقبل" النيابية المسألة لنواب بيروت المسيحيين للتفاوض في هذا الشأن مع الجميع وفي طليعتهم العماد عون، ولكنه رفض مصراً على مناقشة الأمر مع الرئيس سعد الحريري، ومفسحاً في المجال أمام البعض لسؤاله كيف يوفق بين اتهامه الحريري بالتدخل في المقاعد المسيحية النيابية والوزارية، وتجاهله نواب بيروت وإصراره مناقشة المسألة معه شخصياً؟ وكيف يرفض في بيروت ما وافق عليه في مناطق أخرى مثل كسروان والمتن الشمالي والقبيات حيث اختلطت التحالفات وبعضها جمع النائب ميشال المر والكتائب و"القوات" والحزب السوري القومي الاجتماعي و"التيار الوطني الحر"؟
وهناك من يفترض "سوء النية" إذ يضع مواقف عون في إطار الضغط على الحريري، وبعضهم يذهب بعيداً إذ يرى ان "حزب الله" يحاول تسليف عون موقفاً يعوض فيه ما جرى في اللجان النيابية خلال مناقشة قانون جديد للانتخابات البلدية حيث وجد عون نفسه وحيداً وقد تخلّى عنه الحلفاء…
ولئن يكن موقف "حزب الله" الداعم لعون في إطار التزام أخلاقي حيال حليفه الأساسي، شأنه شأن كل محطة انتخابية أو سياسية، فإن أوساطاً سياسية تلفت إلى أن "الوضع يختلف في الانتخابات البلدية في بيروت خصوصاً، حيث لا وجود نيابياً لعون. وأما حديث بعضهم عن النسبية فلا يمكن ان يكون استنسابياً، يطالبون به في بيروت ويتجاهلونه في سائر المدن وكل المناطق".
وثمّة عقبة أخرى أمام التوافق في بيروت، هي تلك المتعلّقة بمطالبة "حزب الله" بمقعد لما اتفق على تسميته فريق "المعارضة السنية" وهو ما ترى أوساط قريبة من الحريري انه "غير محق بكل المقاييس السياسية والنيابية والانتخابية"، وتسأل: "إذا كانت النسبيّة في الانتخابات النيابية هي المعيار فلِمَ لا تعتمد في كل المناطق؟".
على أن ذلك لا يلغي حق الآخرين في الترشح سواء كانوا من المعارضة أو خارجها، وفي إمكان أي كان أن يترشح، فلِمَ الشروط؟ وهل يرضى "حزب الله" بالشروط نفسها كأن يطالب بعضهم بحفظ مقعد لـ"المعارضة الشيعيّة" في إحدى مدن الجنوب أو البقاع مثلاً؟".
هو في الواقع جدل "بيزنطي" يتردد في بعض الأوساط ولن يؤدّي إلى نتيجة. وفي استطاعة الحزب المعروف بوفائه وعدم التخلّي عن حلفائه، أن يقنع هؤلاء بالتعامل مع الانتخابات البلدية في بيروت بالتي هي أحسن، وأن يضمن التوافق في العاصمة "إن هو أراد".
على أن التوافق، يبدو في نظر البعض، وأبرزهم الرئيس سليم الحص "نقيض الديموقراطية"، ولكن الحص يرفض في الوقت نفسه الشروط والشروط المُضادة، وهو مع ترك الانتخابات تأخذ مجراها الطبيعي، "فليترشح مَنْ يشاء وهذا حق الجميع، ولِمَ الشروط؟" وينفي الحص أن يكون أي طرف قد فاتحه في شأن الانتخابات البلدية، وهو على كل حال ينأى بنفسه عن التدخل في هذا "الاستحقاق الإنمائي المحلي والذي يجب أن يترك للناس بعيداً من التجاذبات السياسية والمحاصصات". ويأسف أخيراً لكون الانتخابات البلدية في كل لبنان "يقرّر مصيرها أشخاص لا يتجاوز عددهم عدد أصابع اليدين".
وثمة حركة في بيروت بدأت تظهر إلى العلن ومحورها أطراف في "المعارضة السنيّة" وكان منهم أمس بعض زوار الرئيس عمر كرامي (رئيس "تجمع الاصلاح والتقدّم" خالد الداعوق ورئيس "حزب الحوار" فؤاد مخزومي) وقد أعرب الداعوق عن أمله في "التوصل الى التوافق في بيروت". كما أن "مؤتمر بيروت والساحل" برئاسة كمال شاتيلا دعا الى "مؤتمر بيروت البلدي" غداً في مركز توفيق طبارة، بالإضافة الى تحرّكات لمرشحين منفردين ومستقلين، وينشط في الاطار نفسه النائب تمام سلام في اتجاه التوافق، وبالتأكيد النائب ميشال فرعون المكلف مع نواب بيروت المسيحيين إجراء الاتصالات اللازمة في هذا الشأن.
وإذا كان التوازن هو الأهم ولا يختلف عليه الجميع، فإن من الضروري الإشارة إلى أن بين المرشحين واعضاء المجلس البلدي الحالي، مستقلين من غير الانصاف تجاهلهم إذا لم يكونوا تابعين سياسياً لهذه الجهة أو تلك، ومن هؤلاء العضو الحالي رشيد الجلخ، القريب من مطرانيّة بيروت للموارنة.
وأخيراً، إذا كان الاستحقاق البلدي "إنمائيّاً محليّاً" فلِم لا يكون ديموقراطياً فيترك أمره للناس بعيداً من المزايدات والتجاذبات والمحاصصات السياسية؟ ولماذا لا يترك الناخب في بيروت وكل المناطق، حراً في خياراته؟