#adsense

اللامبالاة حيال الانتخابات البلدية مؤشّر الى طبيعة المرحلة

حجم الخط

اللبنانيّون لم يتجاوزوا ثنائية "8 و14" لكنّهم تجاوزوا المرحلة "الرومانسية" من هذه الثنائية
اللامبالاة حيال الانتخابات البلدية مؤشّر الى طبيعة المرحلة

"اللامبالاة" حيال الإنتخابات البلدية ليست مؤشّر صحّة وعافية. لكن هذه اللامبالاة تحمل في طيّاتها مدلولاً سياسيّاً أكيداً. فبقدر ما نحت الحياة السياسيّة في الفترة الأخيرة نحو "تمييع" الإستقطاب حول المسألة السياديّة الديموقراطيّة، كان ردّ المجتمع اللبنانيّ بتوسيع دائرة "اللامبالاة" حيال الحياة السياسيّة. مثل هذه الحالة ستؤدي لو طالَ بها الزمن الى تردّي مستوى الحياة السياسيّة بشكل عام، لكنّها ستوفّر أيضاً تهلهل الكثير من الشعارات الأيديولوجيّة.

ولن يعني ذلك أنّه يمكن المجتمع اللبنانيّ أو للطبقة السياسية أن تتجاوز "قسمة" 8 و14 في الأمد المنظور. إنّما المؤكّد أنّ ما جرى اختتامه، ومنذ وقت لم يعد بقليل، هو مرحلة "البدايات" بالنسبة إلى هذه القسمة، أي المرحلة "الرومانسيّة". في تلك المرحلة تواجه منطق "نصف ثورة سلميّة جماهيريّة" عبّرت عنه عامية 14 آذار 2005، مع منطق "نصف إنقلاب مسلّح" تتوّج بمحاولة 7 أيّّار 2008.

انتهت هذه المرحلة "الرومانسيّة" من الأزمة مع الإنتخابات النيابية الماضية. نضبت معها جميعُ "المؤثّرات" التي استقاها أطراف الصراع ممّا علق أو تناهى أو تواتر إلى ذاكرتهم من تاريخ الثورات والإنقلابات. أصيبت الحركة الإستقلالية بمشكلة كبيرة جراء "انفصال" ركن أساسيّ من أركانها، لكنّ مشكلة مشروع 8 آذار بقيت أكبر، لأنّ كلّ الكلام حول عدم مصلحة هذا الفريق في الإنتصار في انتخابات 7 حزيران يبقى من قبيل "الثرثرة". وكي نكون أكثر صراحة ومباشرة يمكن القول انّ الحركة الإستقلالية كشفت في مرحلة ما بعد الإنتخابات عن "فصامات" عديدة، إلا أنّ قوى 8 آذار هي التي دخلت فعلاً يوم 7 حزيران منطق الفشل التاريخيّ لمجتمع "التعبئة العامّة" الذي أرادت أن تبنيه.

قوى الحركة الإستقلالية حاولت بعد هذه الإنتخابات، وفي ظروف إقليمية جديدة، أن تضبط "فصاماتها" من خلال إكتشافها أهميّة "الإستقرار اليوميّ"، أي الإستقرار يوماً بيوم، غير المسند بقدرة المؤسّسات على التحكّم بنفسها وبمصير الدولة.

أمّا قوى 8 آذار، وتحديداً "حزب الله"، فقد وجدت نفسها بعد الإستحقاق، تبقي على شعارات "التعبئة العامّة" دون أن يكون لها التجسيد المجتمعيّ نفسه الذي كان سائداً أيّام المرحلة "الرومانسيّة" للصراع. وهكذا انحدرت هذه القوى من منطق "مجتمع التعبئة العامّة" و"الإستنفار العامّ" إلى "مجتمع الجهوزيّة التامّة". وسحر الجهوزيّة "أقلّ" من سحر التعبئة العامّة.

كل شيء يرشّح هذا المسار ليكون الغالب في القادم من أيّام. من علاماته أيضاً غربة تامّة للمجتمع المدنيّ عن المجتمع السياسيّ، وتآكل المجتمع المدنيّ نفسه في ما بين "المجتمعات الأهليّة".

يوحي ذلك للكثيرين بأنّه مسار "تجاوزيّ" لثنائية 8 و14 آذار، أي كما لو كانت السياسة ستتخطى الإستقطاب الذي عهدناه في السالف من سنوات. وعليه يطرح البعض عناوين يستفاد منها اعتقاد بأنّ عناوين الإنقسام في السنوات الماضية قد صارت وراءنا.

لكنّها أوهام ذات طابع يوميّ ليس أكثر. فالسياسة لا معنى لها في لبنان خارج المسألة السياديّة الديموقراطيّة التي حملتها قوى 14 آذار منذ 2005 وإلى اليوم، كما لا عودة إلى السياسة إلا على قاعدة المواءمة بين تركة "الأعوام الرومانسيّة" المنصرمة، وبين خلاصات "الواقعية السياسية" الراهنة. قد لا يكون ذلك متيسّراً اليوم، لكن ينبغي الإعداد منذ اليوم إلى ما من شأنه تأمين هذه المزاوجة.. حين يكون ذلك في المتّسع.

أما الإنتخابات البلديّة، فلن تشكّل محطة حيوية في إطار تأمين هذه المزاوجة المطلوبة، إلا أنّها ستثبت إلى حد بعيد أنّ ثنائية 8 و14 آذار لا تزال هي الثنائية "العميقة" في المجتمع اللبنانيّ، وأنّ نتائج 7 حزيران لا تزال تؤثّر ولو بشكل "جوفيّ" في مجرى حياة اللبنانيين.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل