لطالما اكد المسؤولون السوريون ان النظام السوري على مسافة متساوية من جميع اللبنانيين – كلام يعني فيما يعنيه ان سوريا تريد ان تكون منفتحة على التيارات والاحزاب والقوى السياسية كافة المكونة للمشهد اللبناني – وكانت دمشق في فترة سابقة تشتكي من "انغلاق" بعض الفئات اللبنانية وخاصة المسيحية عنها .
اليوم بادر جميع اللبنانيين من اقصى تطرفهم الى اقصى تسامحهم على الانفتاح وابداء الرغبة في الانفتاح والمبادرة حتى في الخطوات الاولى على طريق هذا الانفتاح – على النظام السوري – واخر مظاهر هذا الانفتاح والاستعداد الطيب للانفتاح تجلت في مشاركة "القوات اللبنانية" في حفل استقبال السفارة السورية في البيال اخيرا.
وترافق حضور الوفد القواتي الرفيع مع اشارات وتصاريح ومواقف من رأس الهرم في "القوات اللبنانية" ونعني الدكتور سمير جعجع الذي لم يترك مناسبة صحافية او اطلالة اعلامية الا واكد خلالها حرص "القوات" على افضل العلاقات مع سوريا ضمن الاحترام المتبادل لسيادة واستقلال البلدين اللذين لا يتكرسان الا بحل الملفات الكبيرة والانسانية العالقة وفي طليعتها ملف المفقودين والمحتجزين في السجون السورية، ترسيم الحدود، ضبط سلاح الفصائل الفلسطينية التابعة للنظام السوري على الاراضي اللبنانية، وصولا الى تشجيعه ودعمه الخطوات الانفتاحية للرئيس سعد الحريري على النظام السوري ودعم وتأييد ترميم الثقة بين البلدين وتصحيح الاتفاقات والمعاهدات الثنائية بين البلدين بما يخدم مصالحهما وسيادتهما بالتوازن والتساوي.
فهذه التطورات جميعها ان دلت على شيء فعلى ثلاثة امور اساسية:
الامر الاول: وجود قرار لبناني استراتيجي جامع بالانفتاح على النظام السوري ليس باي ثمن "وكيفما كانت" وبالهرولة والانبطاح والتسابق على الارضاء والاسترضاء – كما يفعل مجموع "الزاحفين" و"الزواحف" حاليا في المقلب الاخر من الوطن، لان الانفتاح يجب ان تحكمه من الجهتين اعتبارات احترام السيادة والاستقلال والحرية واحترام الخصوصية لدى كل من لبنان وسوريا. فلا يكفي الاستشهاد بوحدة تقاليد او انتماءات اجتماعية وانسانية بين البلدين كي نطيح باسس الانفتاح الاخرى التي لا يقل شأنا عنها مثلا مبدأ لحظته معاهدة الاخوة والتنسيق والتعاون نفسها "بعدم جعل اي بلد مصدر تهديد لامن وسيادة البلد الاخر" – الامر الذي لم تلتزم به سوريا الى الان – بدليل ظاهرة "فتح الاسلام" وحرب مخيم البارد والشبكات الارهابية الاسلامية والمتطرفة التي تصب نتائج التحقيقات كلها على دخولها الاراضي اللبنانية من البوابة الحدودية السورية .
الامر الثاني: ان الانفتاح يجب ان لا يفسر او يؤخذ من منطلق انه يعني خضوع او انكسار او التحاق او انضمام فريق الى سياسة فريق اخر – فالانفتاح بين البلدين يجب ان يبنى على احترام رأي البلد الاخر (وليس تبنيه اوتوماتيكيا) – وعلى حق البلدين بالاختلاف في المواقف والاراء والمقاربات وحتى في المصالح – فيكف منطق "استفظاع " ان يكون للبنان مثلا مصالح مختلفة (ولا نقول مناقضة بالضرورة) عن مصالح سوريا في المنطقة او مع العالم.
فالانفتاح يعني قبول الاخر بحسناته وسلبياته والبناء على ذلك – تماما كما الحوار الذي لا يعني ان يحاول فريق جر الاخر الى افكاره تحت طائلة اعتبار الحوار فاشلا او هذا الاخر خصما– بل هو لبناء قواسم مشتركة في مساحات تلاقي في افكار معينة او اليات معينة يمكن ان ينتج عنها صيغ توافقية او وحدة رؤية او وحدة تخطيط او وحدة نظرة او سياسة حيال موضوع ما من خلال تقليص الفوارق وحصرها وتدوير الزوايا من هنا وهناك – فالانفتاح ليس التوجه الى الاخر باتجاه واحد بل هو التوجه المتبادل لدى كل طرف باتجاه الاخر – مع ما يعنيه ذلك من رغبة حقيقية ونوايا صادقة في اتمام عملية الانفتاح لا اعتبارها مناورة سياسية او مؤامرة خبيثة للاضرار بالفريق الاخر فقط .
فالانفتاح هو صدق في التعاطي وصراحة في التعبير عن الرأي والرأي الاخر وقبول وتفهم الاختلاف – ومن لا يستطيع تحمل ذلك لا يكون قادرا على فتح حوار ولا على اتمام انفتاح هادف وصادق – ويبدو الى الان ان النظام السوري يدور في هذا الفلك السلبي بانتظار بلورة مواقفه حيال الاشارات والمبادرات الصادرة من لبنان .
الامر الثالث: الانفتاح لا يستطيع ان ينجح في ظل منطق استبعاد فئة من لبنان او سوريا عنه – فالتجربة اللبنانية التاريخية اثبتت امرين: الاول ان لا احد في لبنان يستطيع ان يمحي احد، والثاني ان لكل فريق حيثيته وتاريخه واعتباراته وخصوصياته الوطنية- وبالتالي من يريد الانفتاح من هنا او هناك عليه ان يقبل بوجود الاخر وان يعترف به وان يتعاطى معه بجرأة وصراحة ومباشرة.
فالاستبعاد والابعاد والعزل والمحاصرة واهمال فريق لحساب فرقاء اخرين يطعن بمصداقية وصدقية الطرف الاخر ويبين نية تدخلية في الشأن اللداخلي للبنان من خلال اللعب على التناقضات والحساسيات ( حتى الطائفية والمذهبية ) واستثمارها لتحقيق اهداف ومصالح بلد على حساب مصالح واهداف البلد الاخر – فالانفتاح يستتبع حكما قبول سوريا بالواقع اللبناني في كافة تناقضاته وتنوعاته واختلافاته والتعاطي مع المؤسسات الجامعة كل اللبنانيين والممثلة لهوية كل اللبنانيين – عنينا بذلك مؤسسات الدولة ورئاساتها وحكومتها وبرلمانها وسائر المؤسسات الرسمية والحكومية – لا التعاطي بالمفرق مع فئات وفرقاء واحزاب وتيارات – على اساس ان لبنان ساحة مواجهة بين سوريا وخصومها اللبنانيين.
وهكذا نرى ان الانفتاح الذي بدأت ملامح هامة منه مع اول زيارة للرئيس الحريري الى دمشق وصولا الى موقف "القوات اللبنانية" الداعم – ينقصه صدق سوري في التعاطي مع اللبنانيين الى الان – لان النظام السوري لم يستطع الى الان – رغم مواقفه المبدئية المعلنة – الخروج من عقدة النظر الى لبنان على انه المجال الحيوي الذي يخدم مصالح سوريا فقط – بما يجعل معيار اي تعاون بين البلدين – ما يفيد ويؤيد مصالح سوريا اولا – الامر الذي لا يمكن ان يستمر اذا اراد النظام السوري بناء علاقات صلبة ومتينة ودائمة وتصحيح اخطاء الماضي.
لطالما اتهمت "القوات اللبنانية" – زورا وبطلانا – بانها معادية للخيارات والتوجهات العربية والقومية في المنطقة. فها هي "القوات" اليوم تؤكد توجهاتها العربية والتزامها بالقضايا العربية واولها قضية فلسطين – بعدما فرغت من حفظ لبنان اولا من مخاطر زواله التي حامت حوله في السبعينات والثمانينات – وبما يثبت من دون مواربة – ان القومية العربية والالتزام بقضايا العرب لا يعني ابدا وضروريا التنازل عن سيادتنا واستقلالنا لسوريا ولا تعني ابدا وضروريا – الاستزلام والتزلف لاي شقيق عربي – بما فيها سوريا – لاننا بذلك نصبح عبءاً على الشقيق بدل ان نكون السند القوي الذي يتكل عليه.
فالكرة اذا في ملعب النظام السوري لتلقف المبادرات والخطوات الانفتاحية الاولى من اللبنانيين؟ فهل يفلح في التخلص من اشباح الماضي؟
