#adsense

عداء سوريا ليس مادة نضالية

حجم الخط

في الذكرى الخامسة لانسحاب الجيش السوري – فقط – من لبنان، لا تزال العلاقات بين اللبنانيين اسيرة العلاقات اللبنانية – السورية، والعلاقات اللبنانية – السورية رهينة علاقات سوريا العربية والاقليمية والدولية. من هنا: لا وحدة لبنانية من دون علاقات لبنانية سورية جيدة، ولا علاقات لبنانية جيدة بسوريا من دون فهم لبناني لدور سوريا في الشرق الاوسط وفهم سوري للخصوصية اللبنانية. والى حين حلول نعمة الفهم المتبادل – وهي ليست لمنتظرها بقريبة – سيقتصر تحسن العلاقات اللبنانية – السورية عل الملفات الثنائية غير السياسية والامنية، بينما الملفات المتصلة بصراعات المنطقة ستبقى خلافية كسلاح "حزب الله" وتسليحه، وانتشار السلاح الفلسطيني داخل المخيمات وخارجها، وجبهة جنوب لبنان، وترسيم الحدود الجنوبية الشرقية.

لذا، على اللبنانيين، دولة وجماعات سياسية وطائفية، ان يدركوا، مرة نهائية، محدودية تطبيع العلاقات مع سوريا ما دام النظام السوري يعتبر ديمومته مرتبطة بدوره في لبنان والشرق الاوسط وليس بأمنه في الداخل السوري فقط، وما دامت نظرته الى الكيان اللبناني يشوبها، بعد، التباس.

لكن، هل يمكن للبنان ان يفصل في علاقاته بسوريا الملفات الثنائية عن الملفات المتعددة البعد وخصوصا ان تدهور العلاقات الثنائية هو اصلا بسبب الملفات المتعددة البعد وليس العكس؟ سوريا تستطيع التحكم بكل انواع الملفات مع لبنان لان حكمها العسكري يضبط وحدتها الداخلية. اما لبنان فغير قادر على التحكم بأي ملف، لان وحدته الوطنية هشة، ولان عددا من مكوناتها مرتبط، قوميا او دينيا، بمرجعيات خارجية، وفي طليعتها سوريا والسعودية وايران.

حال الانقسام اللبناني يشجع النظام السوري على نسج علاقات بالقوى اللبنانية عوض ان يحصرها بالدولة اللبنانية دون سواها. ولا يستطيع المسيحيون ان يشذوا عن هذا الواقع المخالف لاصول العلاقات الدولية والضيق الآفاق لثلاثة اسباب على الاقل:

• الاول، هو ان الحكم اللبناني بتركيبه الحالي لا يحمل هواجس المسيحيين وقلقهم في مفاوضاته مع دمشق، بل يحمل ما يعاكسها احيانا.

• الثاني، هو ان الحوار بين القيادة السورية والقادة المسيحيين، ولا سيما الموارنة منهم، لم ينقطع منذ ان تولى الرئيس الراحل حافظ الاسد الحكم سنة 1971، وتحول تحالفا موضوعيا بين سنتي 1976 و1977.

• والثالث، هو ان المسيحيين اللبنانيين، الحريصين على دور ريادة مسيحيي الشرق، يفترض ان يؤمّنوا سبل التواصل الدائم، لا الظرفي، مع النظام السوري، وان يعيدوا النظر في اعتبار العداء المتبادل بينهم وبين سوريا مادة نضالية فطرية، وخصوصا ان ثمار هذا النضال يقطفها غيرهم دائما، ولان العداء بين الشعوب حال استثنائية، والصداقة هي الحال الطبيعية.

واذا كان اللبنانيون، والمسيحيون بخاصة، يؤمنون بان مقاومتهم الجيش السوري كانت في سبيل السيادة والاستقلال (وهي كذلك)، وان شهداءهم ماتوا من اجل لبنان، فهذه المقاومة حققت اهدافها العريضة، والشهداء حرروا لبنان وانسحب الجيش السوري من غالبية الاراضي اللبنانية (1). وبات الرهان ان تحل المشاكل العالقة بين البلدين بالمفاوضات، وان تتم المصالحة التاريخية بينهما، وان تصبح العلاقات الثنائية طبيعية ومميزة وممتازة، فتنهي حالة العداء وتحول دون عودة السيطرة السورية على لبنان الى سابق عهدها مباشرة او عبر ادوات لبنانية جديدة رسمية او سياسية.

وفي السياق نفسه، لا بد للمسيحيين اللبنانيين، استطرادا، ان يقيّموا بجرأة طريقة كفاحهم ونسبته ومردوده في سبيل الدولة اللبنانية والنظام وكيان الـ10452 كلم2. فما كان صائبا حتما امس قد يكون مسألة فيها نظر اليوم: فلا هذا الكيان يحافظ بعد على انتشارهم وخصوصياتهم، ولا هذه الدولة تصون بعد دورهم التاريخي، ولا هذا النظام يوفر لهم بعد الامن والحرية والحماية والعمل. حان للمسيحيين وقف المقاومة "بالسخرة"، فهذه دولة "لحاملها". وحان لهم ايضا ان يعطوا جوابا جديدا وواقعيا، هذه المرة، عن سؤال "اي لبنان يريدون"؟ فأجوبتهم المثالية السابقة، بين سنتي 1920 و1943، سقطت بالنقاط عبر ازمات العقود الماضية وحروبها، وبالضربة القاضية مع انتشار الاصوليات السلفية في المذاهب الاسلامية.

غير ان الدعوة الى مصالحة جدية مع سوريا تبقى رجاء معلقا ما لم تبادر دمشق، وهذا النظام بالذات، الى اعطاء اشارات مشجعة وصادقة وعملية، فالماضي مثقل بالتجاب الفاشلة وبخيبات الامل المشتركة وبالاتهامات المتبادلة. والرئيس بشار الاسد، الذي اعترف، عابرا، بالاخطار السورية السابقة في لبنان، يكررها عوض ان يصححها.

منذ الاستقلال الى اليوم، لم ينجح رئيس لبناني او حكومة لبنانية في ارساء علاقات طبيعية او مميزة مع اي نظام سوري. ولم يتمكن اي طرف مسيحي من الذهاب حتى النهاية في علاقات ثابتة مع النظام السوري الحالي على قاعدة سيادة لبنان واستقلاله. رغم ان مسؤولية هذا الفشل تقع على المسؤولين السوريين، فاللبنانيين، الموضوع يتعدى المسؤولية بمفهومها الارادي الى المصلحة السورية بمفهومها الجيو-ستراتيجي.

اللبنانيون يعتبرون سوريا جارتهم الوحيدة، وسوريا تعتبر لبنان احد جيرانها. اللبنانيون يعتبرون الملفات الثنائية قضايا مستقلة، وسوريا تربطها بالملفات المتعددة الابعاد. اللبنانيون يعتبرون الحدود المشتركة فاصلاً سيادياً، والسوريون يعتبرونها امتداداً عسكرياً وسياسياً واقتصادياً وامنياً، وبالتالي، كل ما بعد "النهر الكبير" هو جنوب سوريا. اللبنانيون يعتبرون التدخل السوري في شؤونهم الداخلية انتهاكاً لسيادة بلدهم، والسوريون يجدونه تصرفاً طبيعياً مع دولة لم يهضموا ضمنياً استقلالها رغم ان لبنان قبل سوريا، توحّد واستقل وتحرر.

قبل ان يقاوم لبنانيون الجيش السوري، وحتى قبل ان تصدر عنهم مواقف سياسية علنية، حاول المسؤولون والقادة اللبنانيون في اجتماعات مغلقة اقناع المسؤولين السوريين بمعالجة شكاوى اللبنانيين الملحقة في اطار ثنائي وسلمي، فلم يحصدوا سوى الوعود. وطالبوهم باحترام دورهم كقوات ردع، بعدم التدخل في الشؤون الداخلية، بالتزام قرارات القمم العربية والامم المتحدة، باحترام بنود اتفاق الطائف، بتبادل العلاقات الديبلوماسية وترسيم الحدود، باعادة الانتشار حسب الحاجات الامنية، واخيراً بالانسحاب فلم يتجاوبوا.

طوال ثلاثة عقود عجز اللبنانيون عن اقناع النظام السوري حبياً برفع ولو حاجز عسكري واحد. لكنه، في ربيع سنة 2005، اثر ثورة الارز، سحب كل جيشه من لبنان لحظة طالبته بذلك الولايات المتحدة الاميركية عبر القرار الدولي 1559، كما سبق ان سحبه من الجنوب ومن جبل لبنان الجنوبي والاوسط ومن بيروت حين اجتاحت اسرائيل لبنان سنة 1982.

يحز في قلبنا، نحن اللبنانيين، اشقاء الشعب السوري، ان يُلبي النظام السوري الشروط الاميركية والاسرائيلية، ويرفض التمنيات اللبنانية الاخوية. لكن النظام السوري، انطلاقاً من مبدأ "قبض الاثمان"، يعتمد قاعدة التفاوض مع الآخرين (عرباً واسرائيليين ودولاً غربية) بشأن دوره في لبنان ووجوده ونفوذه، وليس مع الدولة اللبنانية مباشرة.

هذه السلوكية جزء من بنيوية النظام السوري، وقادته يعتبرونها سر استقراره واستمراره طوال اربعين عاماً رغم كل الحروب والثورات والانتفاضات واتفاقات السلام والتغييرات التي حصلت في بلاد العرب والعجم والعالم. حين ندرك كلبنانيين، وبخاصة المسحييين منا، تعددية بنية هذا النظام ودقة معادلاته، نفهم اكثر اسباب فشل تحسين العلاقات الثنائية رغم ارادة اللبنانيين ووعود السوريين. اوجه تعددية النظام السوري هي التالية:

1 – انه نظام بعثي رئاسي ملتزم بفكر قومي عربي وحدوي ذي منحى اشتراكي وعلماني، ومتعاطف مع غالبية حركات النضال في العالم العربي، وبخاصة بعض حركات الكفاح الفلسطيني.

2 – انه نظام امني اذ لا يزال قانون الطوارئ ساري المفعول منذ اربعة عقود، وهو بالتالي يمارس نمطاً امنياً في تعاطيه الداخلي والخارجي بحكم العادة والشكوك والمخاوف (وهي في محلها). ومثل هذا النمط لا ينسجم مع مفهوم الحريات الفردية والعامة، ومع الديموقراطية.

3 – انه نظام يرعاه العلويون ويحافظون عليه، وهم طائفة اسلامية كافحت في سبيل كرامتها، وأدت دوراً مهماً في تاريخ المشرق منذ عصور قديمة، ونبحث في رفع شأن سوريا اكثر مما كان عليه ابان حكم غيرها. وبحكم هذا الواقع، يهم العلويين ان يتناغموا مع الاقليات العربية والاقليمية اكانت اسلامية ام مسيحية ام غير ذلك، بل يعملون على التحالف مع بعضها، وحماية بعضها الآخر، والسيطرة على اخرى، وهذا احد اوجه التنافس بين اسرائيل وسوريا.

4 – انه نظام يضطلع بدور محوري ذكي في الشرق الاوسط والمحيط الاقليمي، ولديه حساباته الخاصة في نسج التحالفات والتوازنات والخصومات من اميركا وروسيا والصين، الى ايران واسرائيل والسعودية وتركيا، مروراً بمحاور داخل بلدان المنطقة. ومن هذا الموقع يسعى النظام السوري الى الامساك بأكبر قدر من أوراق المفاوضة والتسوية والمساومة سلماً وحرباً. وفي هذا السياق استعاد النظام السوري – كلياً او جزئياً – "الاوراق" التالية: الورقة السنية (الاتفاق مع تركيا، مهادنة الاخوان المسلمين، رعاية سنة العراق، التفاهم مع السعودية وسائر دول الخليج، دعم حماس والجهاد الاسلامي في فلسطين، واحتواء تيارات سنية اساسية في لبنان). الورقة الشيعية (ايران، حزب الله، امل، الحوثيون وشيعة السعودية). ورقة الاقليات (الدروز في الجولان المحتل وسوريا ولبنان، العلويون، الاسماعيليون، والمسيحيون في العراق وسوريا ولبنان). ونستطيع ان نضيف الى هذه الاوراق نهج الهدنة المحترمة مع اسرائيل والحوار النشط مع اوروبا واميركا والعلاقات الوطيدة مع روسيا والصين وكوريا الشمالية.

امام هذه البنية التعددية والغنية للنظام السوري والمليئة بالاضداد، يجد اللبنانيون، وبخاصة مسيحييه، صعوبة في ان ينسجوا معه علاقات مستقرة وآمنة ترتكز على احترام سيادة لبنان واستقلاله وقراره الوطني الحر. فعدا المصالح السورية المتناقضة مع وضع لبنان الخاص ونظامه الديموقراطي، المجتمع اللبناني هو ايضاً ذو تعددية متناقضة. كل فريق لبناني رسمي او طائفي او حزبي يريد سوريا له ضد فريق لبناني آخر، كما يحبّذ التحالف مع وجه دون آخر من اوجه النظام السوري: الدولة اللبنانية تحبّذ التحالف مع سوريا الدولة، المسيحيون مع سوريا العلوية، الاحزاب العقائدية والعروبية مع سوريا البعث، السنة مع سوريا السنية، الشيعة مع سوريا الايرانية، والدروز مع سوريا جبل الدروز. لكن النظام السوري لا يستطيع فرز نفسه عقارات، الواحد مفصول عن الآخر وتقديمها هبات للفئات اللبنانية. وما كانت "سوريا الاسد" حكمت "سوريا معاوية" لو لم تحترم كل وجه من اوجه نظامه، بل ان تبني الطاقم الحاكم في سوريا شعارات الاكثرية السنية والعروبية والثورية هو الذي وفّر له، اضافة الى القبضة الحديدية، الديمومة في الحكم ومواجهة التشكيك الاسلامي المتطرف بالمجموعة الحاكمة رغم الاستقرار الذي وفّرته للشعب السوري.

هذا هو جوهر تعثر تطبيع علاقات لبنان، وبخاصة مسيحييه، بسوريا. وهذا هو سر تنقّل سوريا في لبنان من فريق الى آخر، فخاصمت الجميع وصادقت الجميع، حسب وضعها الداخلي وتحالفاتها العربية والاقليمية والدولية واولوياتها المرحلية. سوريا نظام يتعامل مع الآخرين انطلاقاً من موازين القوى، ولبنان دولة تتعامل مع الآخرين انطلاقاً من القوانين الدولية، وهذه قلما لاقت صدى لدى المسؤولين السوريين. سوريا تتعامل مع المسيحيين في لبنان بمقدار انضمامهم الى استراتيجيتها والى العروبة ومندرجاتها، وهم يودّون التعامل معها بمقدار ما تحترم خصوصيتهم وتعترف بهوية لبنان المميزة، وهذا موقف اشكالي لسوريا التي لا تعترف عقائدياً ووجدانياً وسياسياً بلبنان حر.

لكن مصلحة سوريا ولبنان تحتم تخطي مختلف الاشكاليات والتوصّل، في ضوء تجارب الماضي واستحقاقات المستقبل، الى عقد تاريخي قوامه الا يكون لبنان جزءاً من مشروع ضد النظام السوري، والا يقحم النظام السوري لبنان في محور ينال من استقلاله واستقراره ورسالته. وبقدر ما ان عملية التفاهم بين لبنان وسوريا صعبة، يجب ان نضاعف الجهود لنجعلها ممكنة وحتمية. المهمة تحتاج الى ذكاء لبناني خلاّق ونيّات سورية صادقة، ودور المسيحيين اللبنانيين اساسي في ابتكار صيغة عقد فريد بين البلدين.

(1) لا يزال الجيش السوري يحتل ملايين الامتار المربعة اللبنانية، فانسحابه في نيسان 2005 لم يشمل مواقع حدودية عدة داخل الاراضي اللبنانية، وخصوصا في دير العشائر والبقاع الشمالي.

المصدر:
النهار

خبر عاجل