ما حصل في بلدة كترمايا أمس الأول هو التعبير الأقصى عن الطريقة التي يمكن أن يأخذ فيها البشر "ثأرهم" بأيديهم.
ما حصل هو دليل على أن لبنان، بأنظمته الفكرية والثقافية والاجتماعية، يعيش في عصر ما قبل الدولة، وفي مجتمع تحكمه مقاييس العائلات والطوائف والمذاهب، المستقلة عن القوانين الجامعة، التي تساوي ما بين البشر أمام القانون، بمعزل عن إمارات تصعد وتخبو بحسب زعاماتها.
يومياً، يرى المواطن دولته تفرّغ القوى الأمنية لحماية القوى النافذة، بينما أمنه الحياتي، والإجتماعي، سائب، مهمل، منسي.
يومياً، يختبر المواطن الوساطات تتدخل لإطلاق سراح سجناء يفترض عقابهم، ويرى السلطات تحاكم مجرمين صغارا، وتفتخر بالانجاز، وتقسو، بينما المجرمون الكبار، من تجار مخدرات وعقارات وسارقي أموال ومبيضي عملات، وحتى القاتلين، أحرار، ليس هناك من يجرؤ على محاسبتهم، لا بل تتم التغطية على أفعالهم في كثير من الأحيان.
ويومياً، تزداد المصالحات على دماء المواطنين القتلى، عوضاً عن المحاسبة، أو التأهيل، أو تلبية المطالب الإنمائية والمعيشية.
يرى المواطن كباراً من تجار الممنوعات، يسرحون ويمرحون ويحكمون، ويقيمون إماراتهم الخاصة والمعلنة في المناطق التي لا يتجرأ أحد على الاقتراب منها.
يرى المواطن حال الفلتان القائمة في طريقة إدارة شؤون البلاد، حيث يوظف كل زعيم جماعته، دون سواهم. ويختبر المواطن، تحديداً في فترة الانتخابات البلدية الحالية، الآلية التي يعتمدها الزعيم وممثلوه، في اختيار أزلامهم الذين يكونون في الغالب من غير أصحاب المؤهلات، لا العلمية ولا التربوية ولا المهنية، لكنهم يحكمون القرى والمدن، ويفرضون أنفسهم أعضاء بلديات، عبر تحالفات مشوهة، ويوزعون الخدمات على من ينتخبونهم ويرضون عنهم، بينما تبقى النخب من أصحاب المؤهلات على هامش الحياة السياسية، لأن النخب تعرف وتناقش وتحاسب، والزعيم يريد أشخاصا يهزون الرؤوس موافقين، ويطلبون الرضا.
يومياً، يرى المواطن آلية عمل كل صاحب نفوذ، مهما صغر نفوذه، في إلغاء المخالفات، حتى مخالفة مرور، لأنه لا يريد دفعها، وهو حر! أما الحساب فيقع على كل مواطن يتهم مسؤولاً، بدلاً من أن يطال الحساب كل مسؤول يثبت تورطه بمخالفة، مهما صغرت أو كبرت.
يومياً، يسمع المواطن تدفق الوعود بالإنماء، من دون تنفيذ، ويرى الشركات الكبرى تحتكر المشاريع الكبرى، من إعمار واتصالات وسياحة ومصارف، لتبقى بين أيدي عدد محدود من أصحاب الحكم والتحكم.
يومياً، يرى المواطن الشباب يهاجرون، يتركون بلادهم بعد تخرجهم، للعمل في الخارج، بينما يحتكر الإدارات المنتفعون من أشباه الأميين، والمستزلمين.
يرى المواطن، ويشعر أنه على وشك الانفجار.. لكنه يبلع ريقه يومياً، ويفكر أن الأفضل له هو أن يدجّن نفسه ويمالئ، من أجل الفوز بخدمة، لأن لا طريق للحصول على الخدمات، وبلوغ الحقوق، غير التدجين، وهو يتحمل مسؤوليته في ذلك.
جميعنا يعرف كيف يردد المواطنون في قراهم ومدنهم معادلة شهيرة منقولة عن ألسنة الزعماء وممثليهم: فلان معنا أو مش معنا؟ لمعرفة إذا كان فلان "يستأهل" الخدمة أم لا!
إن ما حصل في كترمايا هو تعبير عنيف وفج وعنصري عن انفجار جماعي، من ضعيف قتل ضد ضعيف قتل، لأن الجماعة عاجزة عن النيل من الأقوياء.