#adsense

13 نيسان 2008

حجم الخط

13 نيسان 2008

احمد عياش

 

كان يوم احد 13 نيسان 1975، وها هي ذكراه بعد 33 عاماً تحل ايضاً في يوم أحد.
هل ينطوي الامر على اشارة ما؟


الذين يستهويهم الخيال قد يجدون في هذه المصادفة ما يتخيلونه، كما انهم إزاء رقم الـ33  عاما قد يجدون فرصة لمحاكاة أساطير الارقام التي الهمت الناس عبر الزمن ومن اشهرها “تؤلف ولا تؤلفان”، فاعتبر كثيرون ان كوكب الارض يتجاوز الالف عام ولكنه لن ينجح في تجاوز الالفين. لذلك نشطت الحكايات عندما حل عام 2000 ميلادي. لكن العام مضى واستمر الكوكب وذهب المتخيلون الى خيالات جديدة.


إلا ان 13 نيسان 2008، اي اليوم، يرتبط بشاهد يأتي من الخيال الى الواقع. لقد غاب منذ حادثة بوسطة عين الرمانة 33 عاما عن لبنان ليسمع من بعيد جداً ما يجري فيه الى حد ان هذا السمع ينقل اليه القليل القليل مما دار في هذا البلد على مدى 3 عقود و3 أعوام. انه يشبه احد افراد اهل الكهف الذين غرقوا في سبات عميق ثم افاقوا بعد زمن قد يعد بمئات السنين ليجدوا ان الدنيا التي عرفوها غير تلك التي صارت بعد يقظتهم.


الشاهد على 13 نيسان 1975، انتقل فور وصوله الى عين الرمانة، الى حيث وقعت حادثة البوسطة ثم ذهب الى طريق صيدا القديمة التي صارت خط تماس اندلاع شرارات الحرب. فأدهشه ان القليل القليل لا يزال موجوداً منذ ذلك التاريخ. وزاد في دهشته انه علم لتوه ان عائلات من الشياح ومناطق مجاورة صارت تحمل عنوان الضاحية الجنوبية لبيروت انتقلت حديثاً الى بعض احياء عين الرمانة. وسأل في سره: هل تكون هذه العائلات هي او من سلالتها التي فرت من عين الرمانة تباعاً بعد تحول الحرب من عنوانها اللبناني – الفلسطيني الى عنوانها اللبناني الطائفي؟ لم يشأ ان يتطفل في طرح السؤال على من حوله فاكتفى بمعاينة طريق صيدا القديمة. انها الطريق ذاتها لكن العمران فيها في غالبيته الساحقة غير الذي كان. الحياة التي تدب فيها تمحو آثار خط تماس. انه باق في خيال امثاله. لكن كثيرين سيتعبون في تلمس معالمه التي توارت بعد هذه الاعوام.


هل انتهت الحرب؟ انه سؤال مشروع الح على الشاهد العائد بعد 33 عاماً. ولكن كيف باستطاعته ان يجيب عنه وهو يتحرك في رقعة انطلاق الحرب ولا يتجاوزها؟ فكان عليه ان يستعين بأحد المعارف الذي بقي في منطقة مجاورة طوال 33 عاماً وأصبح كهلاً وربى اسرة كبر افرادها وسمح القدر بأن يبقى على قيد الحياة. وبهذه المساعدة التي رافقتها جولة بالسيارة طوال اليوم استغرق الشاهد العائد في دهشة اكبر من دهشته الاولى. لقد عرف ان خطوط تماس جديدة ولدت بعد خطوط تماس قديمة ظهرت وانقرضت. ولم يتخيل ابداً ان جديد هذه الخطوط اصبح في عمق بيروت الغربية. ثم تبين له ان خطاً جديداً ظهر في ساحة رياض الصلح بعد خط قديم دام 15 عاماً في ساحة الشهداء. لم يصعب عليه في نهاية الجولة ان يدرك ان التغيير لا يشمل خطوط التماس فقط بل شمل الناس على جانبيه. انه تغيير مدهش لمن غاب هذا الزمن الطويل عن لبنان.


عندما ينقضي هذا النهار سيكون الشاهد الذي عاد رحل من جديد. وربما اذا بقي له متسع من العمر سيفكر في العودة، في العام 44 على ذكرى الحرب. انه من هواة الارقام المثيرة. ولكنه قبل مغادرته اصابته دهشة من نوع لم يتوقعه. ففيما كان يتصفح موقع الـ”بي.بي.سي” على الانترنت استوقفه تقرير المراسل العلمي جوناثان آموس الذي قال ان العلماء اكتشفوا في احفورة صخرية من لبنان افعى يعود تاريخها الى نحو 92 مليون عام. لكن أهمية الاكتشاف تكمن في ان الافعى كانت تمتلك قائمتين في ذلك الزمن ولكن القوائم انقرضت كلياً في الملايين التالية من السنين. وتساءل الشاهد قبل ان يغادر: لو يعلم العلماء ان التغيير في لبنان وقع ايضاً في 33 عاماً وليس في 92 مليون عام!

المصدر:
الحياة

خبر عاجل