أكثر من نصف قرن على المرة الأخيرة لترؤس لبنان مجلس الامن. عقود مرت ولبنان موضوع على مشرحة الامم المتحدة وتحديدا مجلس الامن، فكان ضيفاً دورياً امام الاعضاء الدائمين وغير الدائمين، وانتقلت قضيته خلال ستينات القرن الماضي من قضية اعتداءات حدودية اسرائيلية وعمليات فدائية عبر خط الهدنة بين لبنان واسرائيل، الى قضية اكبر مع اول عملية برية اسرائيلية واسعة النطاق على الاراضي اللبنانية عام 1972، وصولا الى تفكك الدولة في حرب السنتين وقيام اسرائيل بقضم شريط حدودي جنوبا، واخيراً الاجتياح عام 1982 والقرار 425 الذي بقي على الطاولة حتى عام 2000 وانسحاب الاسرائيليين من الجنوب اللبناني الى خلف الخط الازرق، اي الترسيم غير النهائي للحدود بين لبنان واسرائيل.
لعل اهم القرارات الدولية التي عمّرت كان قرار وقف اطلاق النار عام 1949، واتفاق الهدنة الذي اعقبه وجرى توقيعه برعاية الامم المتحدة، ولا يزال ساري المفعول حتى الآن بين لبنان واسرائيل، وقد أعيد تأكيده من الناحية العملية من خلال القرار 1701.
لن نسرد سلسلة القرارات الدولية المهمة التي طاولت الوضع اللبناني، بدءا بالقرار 1559 المعتبر صكاً دولياً بالاستقلال الثاني والذي يتعرض لحملة متعددة الجانب لسحبه من المعادلة اللبنانية، ولن يُسحب، وانتهاء بالقرار 1701، مروراً بكل القرارات المتعلقة بالجرائم الارهابية التي طاولت القيادات الاستقلالية من 2004 الى اليوم. وكل هذه القرارات محورية بالنسبة الى لبنان المهدد حتى اليوم اما بوصايات جديدة، او بحروب متجددة بالواسطة، او بمحاولات لنسف صيغته بتحويله قلعة متقدمة لقوى خارجية. هذه القرارات التي لا تملك جيوشا لفرض تنفيذها تبقى في مجملها عنصر قوة للبنان المهدد بـ"شهية" جيرانه، وبـ"انفلات" بعض اهله. وعلى رغم ان القرارات الدولية لم توقف يوماً اجتياحاً، ولا ارجعت ارضا لاصحابها، انما كانت ولا تزال تمثل قوة القانون الدولي، ومرجعية دولية لا بد من العودة اليها ولو بعد حين. ومن هنا اهمية القرار 1559 الذي يجب ان يبقى مرجعية دولية لحل الازمة اللبنانية، وقد بقي بند واحد من بنوده الاربعة (سلاح الميليشيات اللبنانية وغير اللبنانية) من دون تنفيذ !
يجلس لبنان مع الكبار حول الطاولة في مرحلة معقدة تمتد سنتين. ويترأس هذا الشهر الطاولة في وقت يتوقع ان تطرح سلة العقوبات على ايران. ولبنان بصفته دولة عضواً وممثلاً للمجموعة العربية، مدعو الى اتخاذ موقف ستكون له ارتدادات داخلية مع حضور ايران في صلب النسيج السياسي والامني الداخلي، والتأثير الذي يمكن ان تمارسه هنا. ولعل الانقسام العربي حيال البرنامج النووي الايراني يزيد الحرج اللبناني اذا ما وضعت العقوبات على الطاولة هذا الشهر. ومعلوم ان المشكلة تبقى كامنة في الاشهر المقبلة حتى بعد عودة لبنان الى مقاعد العضوية العادية. فما هو القرار الامثل في حال طرْح مشروع العقوبات على التصويت ؟ هل يلجأ لبنان الى الجامعة العربية طلباً لموقف عربي يحتمي به؟ ام يعارض قبل العودة الى الآخرين من زاوية ان وضعه الداخلي بوجود سلاح "ايراني الهوى" على مسافة 50 متراً من القصر الحكومي يجبره على ان يكون رديفا للمندوبية الايرانية في نيويورك؟
هل سيمكن لبنان اقله ان يمتنع عن التصويت؟ كلها اسئلة مطروحة في شهر الاخطار الكبرى التي تحدق بلبنان من كل جانب.