أبعد من الانفعال الذي تتركه فظاعة جريمة تودي بحياة جيل الأجداد وجيل الأحفاد في العائلة نفسها في آن واحد، هو ما يمكن أن يوصف به الاقتصاص الشعبي الوحشي من مرتكب الجريمة الرباعية في كترمايا.
قد يكون المشهد الدموي الذي وجد فيه الضحايا الأربع، وكيفية روايته للناس أدّيا دوراً في تحويل الاستنكار والاستفظاع إلى حقد شخصي على الفاعل، ترجم بفعل أشنع وأبشع يماهي البربريّة. لكن النظرة الباردة إلى تسلسل الوقائع تفضح أبعد من ذلك: تقول أولاً وأساساً إن رد الفعل الأهلي يعكس سقوط الاطمئنان لقدرة الدولة على الاقتصاص وتطبيق العدالة، من جهة، وعدم التهيّب من التعدي على دورها، من جهة أخرى.
لذلك جذور تفضحها عين المراقب الاجتماعي – السياسي التي لا بد ترى في مجريات أحداث عدة منذ عام 2005 إلى اليوم، عناوين لتفتيت هيبة الدولة، ومؤسساتها، ولا سيما منها الأمنية والعسكرية، في استدعاء واضح للقدرات الذاتية لمن يستطيع إلى ذلك سبيلاً، من القوى السياسية التي يفتقد أغلبها إلى هذا الوجه من الحضور والدور.
الجذور العملانية تسبق التاريخ المذكور. فما مارسه نظام الوصاية من سطوة على القضاء وفي الوقائع الأمنية، ودفع في اتجاه محاباة الظالم المتقرب على المظلوم غير المسنود، حفرا عميقاً في الذاكرة العامة. ثم كان ما كان من سعي لفرض العجز على الدولة بمؤسساتها الأمنية والعسكرية، عن ردع المعتدين عليها، من "انتفاضة الكهرباء" المركبة عند خط عين الرمانة ـ الشياح، حيث تحول الضباط المستهدفون برصاص وأحجار المدنيين متهمين، وصولاً إلى مصرع الطيار سامر حنا الذي "خرق" أجواء جنوبية يسيطر عليها مسلحون، فتحول إلى خاطئ، فيما خرج قاتله ببراءة معللة، عبوراً باعتداءات جامعة بيروت العربية وقصقص، واتخاذ اضراب الاتحاد العمالي (عام 2006) مطية لاقفال الشوارع في طول البلاد وعرضها وتجفيل القوى الرادعة عن القيام بعملها، وإلحاق ذلك باحتلال وسط بيروت وتعطيل الحياة الاقتصادية ـ والاجتماعية لعام ونصف انتهاءً بالسابع من أيار، حين تحول الأمنيون والعسكريون إلى شرطة مرور بين المعتدين على السلم الأهلي والحرصاء عليه، من دون التذكير بدماء المشاركين في 14 آذار من كل عام سبق هذا العام.
أدى هذا التهشيم الممنهج لصورة الدولة القادرة – الحامية إلى توليد شعور باليأس من هيبتها وردعها في وجه البعض لدى اللبنانيين غير "المسنودين"، وأعطاهم اقتناعاً بالدونية تجاه أي مستخدم قوة لفرض رأي أو موقف أو فعل. لكن هذه الدونية تتحول فوقية عند تلاقي شرطين: تضامن أهلي (حشد العدد) واستضعاف المستقوي. وهي اللحظة التي وصل فيها المتهم، غير اللبناني والداخل خلسة إلى لبنان بحراسة قوة أمنية ضعيفة عدداً وعدة… وصورة.
ليس في ما تقدم محاولة سياسية لنكء الجروح التي لم تندمل، لكن للتذكير بأهمية الحضّ على العبور إلى الدولة، واقناع القائلين بأنهم سيدخلونها حين تقوم، بأنهم إما أن يكونوا فيها يوم الولادة، وإما لن تكون، وبسبب منهم.
فالدولة تتكون كشخصية معنوية عند تسليم مواطنيها لها بأنها حامية لهم ولمصالحهم ولحرياتهم، وشرط ذلك المساواة بين ناسها في الحكم والمعاملة، فتفرض نظامها عليهم بقوة إكتسبتها من إقرارهم لها بذلك، لا لأن النظام من الإيمان، ولا بـ"قبة إبط" تفرضها المشاكل الاجتماعية المتراكمة في حياة جمع اعتمد تغييبها وحظرها عن يومياته.
ليست هي المرحلة الوحيدة التي تستضعف فيها الدولة، ولن تكون بلا نهاية. ففي تاريخ لبنان المستقل تعاقبت أحوال مماثلة: ازدهر لبنان حين بنى الرئيس كميل شمعون البلد. واستقر حين بنى الرئيس فؤاد شهاب الدولة. وازدهر لبنان حين انهض الرئيس رفيق الحريري البلد اقتصاداً وإعماراً، فهل يكون للرئيس سعد الحريري أن يعيد بناء الدولة، التي إذا كان من رسالة حملتها الانتخابات البلدية والاختيارية في مرحلتها الأولى، فهي أن الناس تريد لقيادة شؤونها أشخاصاً يعكسون حرصاً على العبور إلى الدولة؟
لم تقصر القوى السياسية في محاولة ابعاد أصابعها عن نيران المواجهة الانتخابية، لكنها فشلت إما لعجزها عن إخفاء شهيتها للمشاركة في القرار الأهلي، في هذه البلدية أو تلك، وإما لأن الانقسام السياسي بين أهداف 8 آذار ومبادئ 14 آذار، يمتد عميقاً إلى جذور البنية الاجتماعية للبنانيين، ويصبغ رؤاهم للمستقبل.
ما حمله السطر الأول في الرسالة البلدية بالأمس، لا علاقة له بالعصبيات السياسية، بل بألف باء الاقتناعات السياسية: اللبنانيون يريدون الدولة، لذا يؤيدون من يبدي انصياعاً لجلالتها، قولاً وعملاً.