من حق سعد الحريري ان يحار في اي مكان عليه ان "يبوس" رأس ميشال عون:
في عام 2005 كانت دماء الرئيس الشهيد رفيق الحريري تملأ وجدان البلاد بالذعر وكان الخوف سيد الموقف وسط الانفجارات والاغتيالات، وكل هذا لم يمنع الجنرال عون من القول مع بداية الانتخابات النيابية يومها، ان النواب المسيحيين يتم تعيينهم في قريطم بالتعاون بين سعد الحريري ووليد جنبلاط!
الآن في سنة 2010 ها هو عون يرفض قطعاً ان يفاوض نواب بيروت المسيحيين للتفاهم على الانتخابات البلدية والاختيارية، ويصرّ على ان يتم الاتفاق حصراً مع سعد الحريري الذي حرص تكراراً على التوضيح ان ما يهمه هو:
❑ اولاً: ان لا يتولى التفاوض نيابة عن المسيحيين الذين اختارتهم العاصمة ممثلين لها في البرلمان وان الامر متروك لاهله. وهو يوافق سلفاً لا بل يشجع على حصول اتفاق بين القيادات والمرجعيات المسيحية في العاصمة يكون عون شريكاً اساسياً فيه.
❑ ثانياً: انه متمسك بمبدأ العيش المشترك الذي تكرسه عملياً المناصفة بين المسيحيين والمسلمين في المجلس البلدي لمدينة بيروت وفي كل مكان. وان ما ارساه رفيق الحريري منذ عام 1998 على قاعدة المناصفة، وكترجمة موضوعية للتعايش يشكل مبدأً وقاعدة من ثوابت قريطم.
❑ ثالثاً: انه يريد ترجمة عملية وموضوعية لهذا المبدأ، تكرسه النتائج التي ستفرزها صناديق الاقتراع بحيث تشكل الاصوات رباطاً وتأكيداً لروح التعايش، ولوحدة العاصمة، التي هي نواة وحدة لبنان.
❑ ❑ ❑
وبإزاء إصرار ميشال عون اولاً على تجاوز نواب بيروت المسيحيين وتهميشهم واستدراج الحريري ليفاوض عنهم، وثانياً على تسمية مرشح سني للمجلس البلدي البيروتي، وثالثا على تقسيم بيروت دوائر، قُضي الامر بعد صبر وانتظار، وتشكلت لائحة "وحدة بيروت"، فأعلن عون مقاطعة الانتخابات البلدية وخوض "معركة" المخاتير، لكنه كالمعتاد خرج ليطلق غضبه في كل الاتجاهات تقريباً.
طبعاً نال الرئيس ميشال سليمان كالمعتاد حصة كبيرة من الاتهامات. وهو امر بات معروف الاسباب والدوافع. وقد اتهمه عون بأنه تدخل في انتخابات جبيل قائلاً: "ممنوع على الرئيس ان يستعمل المؤسسات الخاصة في التدخل (…) هناك أصول للتدخل (!) والرئيس في كل الدول يتدخل برأيه، ولكن ممنوع ان يستعمل وسائل الدولة الرسمية كي يضغط".
طبعاً لم يوضح عون اصول التدخل وقواعده، كما انه لم يكشف ما هي "الوسائل" التي استعملت في جبيل. واذا كان من المعروف ان عون يراشق رئيس الجمهورية منذ زمن بعيد، فليس غريباً ان ينصّب نفسه ديّاناً لفرنسوا باسيل وبنك بيبلوس الذي لا يريد بالتأكيد تسييس أدائه المصرفي في بلد صارت فيه السياسة مثل سوق الاوقية.
وبدا ان عون يركّب الصيف والشتاء على سطح واحد، عندما قال ان ادارة الانتخابات كانت سيئة في بعض المناطق. بما يعني انها كانت جيدة في مناطق اخرى. مع ان الادارة واحدة، لكن من المفهوم ان النتائج لم تكن كما اراد في المناطق التي رشقها بسوء الادارة.
ولا ندري لماذا يكيل الجنرال الاتهامات للناس والمواطنين قبل السياسيين عندما يقول "انهم (اي السياسيون) يستملكون بيروت وجبيل وزحلة" وكأن الناس مجرّد سلع أو عقارات (!) في حين لم يتحدث احد عن "الاستملاك وشراء الاكثريات" في جبيل مثلاً بعد الانتخابات النيابية التي ربحها هو.
❑ ❑ ❑
ثم اذا كان هناك من نزعة للسيطرة على العاصمة كما يقول، فهي نزعته، لانه ينكر على بيروت قرارها في التمثيل النيابي، ويصر على ان يقوم سعد الحريري باملاء ارادته على نوابها المسيحيين وان يفاوض عنهم. ثم ليس هناك اطلاقاً ما يستدعي الحديث عن "الشحادة" او "التفنيص"، لان المفاوضات لم تجر اساساً في ظل رفض عون التفاهم مع النواب المسيحيين، واصرار الحريري على ان لا يتدخل في قرار الترشيح المسيحي لبلدية بيروت.
ربما من الضروري المقارنة بين ما يطلقه عون من اتهامات هي اقرب الى التجني، وكلام رئيس الحكومة الذي قال لوفد نقابة المحررين: "لقد شجعنا على التوافق وهناك قوى اخرى في العاصمة نحترمها ونحترم خيارها الديموقراطي. فقد اختارت ان تضع شروطاً تعجيزية تناقض ارادة اهل بيروت، وكأنها ترفض التوافق سلفاً. هذا خيارها وحقها الديموقراطي ونحن نحترمه، وفي النهاية ما يحصل هو منافسة ديموقراطية (…)".
فعلاً هكذا، والمواطن في بيروت لا يدري لماذا كل هذا الغضب او لماذا يعطي عون نفسه ما لم يعطه الانبياء لانفسهم عندما يوجه الاهانة الى المستقلين والحياديين، حين يصرّح:
"من يقل انه حيادي او مستقل يكنْ برسم البيع، لا احد يمكنه ان يعمل وهو مستقل وحده".
ومع احترامنا الاكيد للجنرال نسأله: ألا يرى مثلاً انه تجاوز قاعدة "من ليس معي هو ضدي" ليصل الى حدود الجزم بأن من ليس معي او مع خصمي ليس حيادياً او مستقلاً انما "سلعة" برسم البيع؟
ولو!!ّ! ألا يعرف عون ان اللبنانيين المستقلين والحياديين لا يستحقون هذا التحقير، لانهم على الاقل يعرفون بماذا بات ينضح الإناء السياسي في البلاد؟