عود على بدء: “اللاعلاقات”اللبنانية ـ السورية هي المعضلة!
محمد مشموشي
محمد مشموشي
لم يتنكر أحد، لا في لبنان ولا حتى في العالم، على امتداد الأعوام الثلاثة الماضية، لواقع أن أزمة لبنان هي جزء من الأزمة في المنطقة وأن حلها النهائي، اذا كان هناك من حل نهائي في المستقبل القريب، هو حل واحد. لكن شعورا ما، أو ربما وهما، لدى بعض الحالمين في البلد، من مواطنين ومراقبين وحتى سياسيين، ذهب مذهبا آخر في تلك الفترة.
كان الظن أنه يمكن “تحييد” الوضع اللبناني، ولو مؤقتا، عن الوضع العربي ـ الاقليمي ـ الدولي المتأزم، أو أقله تمرير المرحلة الصعبة في المنطقة من دون تعريض لبنان لتأثيرات الخارج المباشرة عليه. بعبارة أخرى، وعلى طريقة اللبنانيين في التعبير، كان الظن أن بينهم من يمكن وصفه بـ”أهل الحل والربط”، خصوصا عندما يتعلق الأمر بمصير بلدهم وحياة مواطنيهم، وأن “مربط الخيل” قد لا يكون في هذه الحالة صاحب الأمر والنهي الوحيد. الا أن ذلك كله، كما تبين بوضوح خلال الشهور الماضية، بدا نوعا من الخيال المفرط، تماما كما تبين أن “التحييد” المؤقت أو “تمرير المرحلة” ليس صعبا فقط بل شبه مستحيل.
ولعل هذه هي الحقيقة الجديدة التي كشفها، وعبّر عنها بوضوح كامل في الفترة الماضية، ليس اللبنانيون وحدهم وانما العرب والأوروبيون أيضا. وهي في الواقع، أساس التحرك الذي بدأه رئيس الحكومة فؤاد السنيورة في العواصم العربية أخيرا ويستكمله خلال الأيام المقبلة … حقيقة أن العلاقات، أو اللاعلاقات، اللبنانية ـ السورية، هي التي حالت حتى الآن دون وضع الأزمة في لبنان على طريق الحل، أو حتى على طريق التسوية المؤقتة التي يكون من شأنها أن تحصنه من انعكاسات التأزم الاقليمي عليه.
ردد اللبنانيون هذه الحقيقة بلغات مختلفة، فضلا عن ممارساتهم على الأرض، بدءا من رئيس مجلس النواب نبيه بري الذي تحدث عن “س”، اشارة الى سوريا، وان قرنها بـ”س” ثانية اشارة الى السعودية، بوصفها المدخل الذي لا بد منه الى الحل في لبنان، وصولا الى قول من وصف بـ”المفاوض” المطلق الصلاحية عن المعارضة، العماد ميشال عون، في تصريح له (بالتزامن مع تصريح مماثل لوزير الخارجية السوري وليد المعلم) ان لا دمشق ولا غيرها تستطيع (أو تريد ؟!) أن تضغط عليه من أجل الحل. أما الممارسات على الأرض، فحديثها يطول وقد مله اللبنانيون فعلا، بدءا من تشكيل حكومة جديدة ولو قبل ربع ساعة من انتخاب رئيس للبلاد، الى شرط “الثلث المعطل” في هذه الحكومة، الى فرض قانون انتخابات العام 1960 ولا شيء غيره، الى أخيرا اعادة بعث “طاولة التشاور” بجدول أعمال مقفل ليس فيه انتخاب رئيس للجمهورية بالرغم من مرور أربعة شهور على الفراغ في سدة الرئاسة مع ما في هذا الفراغ من خطر على الصيغة ونظام الحكم.
والحقيقة نفسها قالها العرب بأكثر من طريقة، كان بينها القرار الأخير لمجلس وزراء الخارجية الذي أضاف الى المبادرة العربية (بعد أن فسرتها دمشق والمعارضة على غير ما هي عليه، واتهمتا الأمين العام للجامعة عمرو موسى بالجهل باللغة العربية تارة وبالانحياز تارة أخرى) بندا خاصا بالعلاقات اللبنانية ـ السورية، وكان بينها قرار القمة العربية في دمشق الذي دعا الى معالجة هذه المسألة، كما كانت بينها أخيرا قمة شرم الشيخ بين الملك السعودي عبد الله بن عبد العزيز والرئيس المصري حسني مبارك التي وجهت رسالة علنية الى الرئيس السوري بشار الأسد تحدد له فيها أن الطريق الى تسوية علاقاته مع الرياض والقاهرة تمر حكما بلبنان وبتسوية العلاقات بينه وبين سوريا.
ولا يختلف الأمر كثيرا بالنسبة الى أوروبا التي أعلنت فرنسا، بلسان رئيسها نيكولا ساركوزي، أنها صدمت بموقف دمشق المعرقل، وليس غير المسهل فقط، للحل في لبنان، والتي قالت كل من بروكسل ومدريد وروما ولندن أنها تشاطر باريس موقفها من دمشق، وأنها جميعها، ولهذا السبب تحديدا، قطعت اتصالاتها مع العاصمة السورية.
هكذا عادت قضية لبنان حاليا الى نقطة الصفر … أو نقطة الحقيقة: تكون علاقاته مع سوريا طبيعية (عمليا أخوية، ولكن ندية) فيكون لبنان طبيعيا، أو لا تكون فلا يكون. ولأن البلدين جزء من نظام عربي واحد، بل وحتى من نظام اقليمي معترف به دوليا (بالرغم من محاولة اسقاط العراق، بل وبسببها !)، فلا بد اذا من عودة لبنان الى هذا النظام، وعودة النظام هذا الى لبنان، من أجل العمل معا على انهاء المأزق الذي طال واستشرى.
وعمليا، فقد شكلت القمة العربية في دمشق، وموقف قطبي النظام العربي، مصر والسعودية، من المشاركة فيها، ثم من الوساطات بعدها لاعادة التواصل مع سوريا، اشارة أولى الى عمق الاقتناع العربي بحقيقة الدور الذي يلعبه النظام السوري في لبنان، بل وبحقيقة أن أزمة لبنان هي في العمق أزمة بين دمشق وبيروت. كما شكلت جولة الرئيس فؤاد السنيورة على بعض العواصم العربية، مثلها مثل زيارة الأمين العام للجامعة عمرو موسى المقررة الى دمشق بعد أيام، ومعهما أيضا حتى جولة الرئيس نبيه بري على دمشق والقاهرة والرياض اشارة ثانية الى الهدف نفسه.
لكن، هل تعني العودة الى نقطة الصفر … نقطة الحقيقة… هذه تسريعا للحل في لبنان أو أنها مدعاة لتمديد جديد لأزمته؟!.
من السابق لأوانه اعطاء اجابة محددة، فضلا عن أن تكون ايجابية، على هذا السؤال، في ظل تجارب الأعوام السابقة. الا أن عددا من المؤشرات التي تطل برأسها بين فينة وأخرى تدعو الى التوقف عندها كما يأتي:
أولا: لا ضمانة، فضلا عن انه لا مبرر، لابقاء الوضع يدور على نفسه الى ما بعد انتخابات الرئاسة الأميركية، بأن يكون الحال بعد الانتخابات مختلفا عما هو الآن. مصالح واشنطن في المنطقة، وحتى رعايتها المطلقة لاسرائيل ولعدوانيتها، ستبقى أقله في المدى المنظور من دون تغيير. قد تفتح الادارة الجديدة نافذة لحوار ما، وربما لتبادل رسائل، لكن المحصلة لن تكون مختلفة… الا ربما في لبنان، الذي يكون يومها قد انتقل من مرحلة شفير الهاوية الى الهاوية نفسها.
ثانيا: لا بديل للنظام العربي الحالي، على تهافته وعلاته التي لا تعد، الا الفوضى والحروب الطائفية والمذهبية والأثنية والقبلية بما يفتح الباب وسيعا لأنواع من الانهيارات التي لم تشهدها المنطقة في تاريخها الحديث.
ثالثا: لقد ولى زمن الامبراطوريات و”الدول العظمى”، الكونية والاقليمية، لتحل محلها وان بصورة غير جلية تماما بعد التجمعات السياسية والاقتصادية والمالية (نموذج أوروبا وشرقي آسيا، وحتى الولايات المتحدة ببعديها الأطلسي والجغرافي الأميركي)، بما يضع العالم العربي كله، وليس سوريا ولبنان فقط، أمام خيارات أخرى مختلفة نهائيا.
هل تشكل المؤشرات السابقة هذه نوعا من “علامات طريق” مختلفة على طريق مختلفة هي الأخرى تصب في صالح كل من لبنان وسوريا والعرب جميعا، أم أن مرحلة أخرى من الشد والجذب .. والتراجعات .. ستبقى هي السائدة ؟!.