تسونامي ميشال عون مستمر.. في الانحسار
الجنرال يدرك.. ونحن ندرك أيضاً
فعلها الجنرال ميشال عون خلال مؤتمره الصحفي الاخير بعد اجتماع تكتّله "الضائع في الاستحقاقات والنتائج" اول من امس، فقرر من الرابية المذهولة بمفاجأة الاحد، مقاطعة الانتخابات البلدية في مدينة بيروت، متذرّعاً "بنزعة للسيطرة على العاصمة"، وباستئثار البعض في قرارها السياسي، على رغم دخول الطاشناق – حليفه الاستراتيجي -، وحركة أمل حليف حليفه في اللائحة الائتلافية التي يرأسها بلال حمد، والتي أعلن عنها من دارة الرئيس رفيق الحريري في قريطم، والذي شدد على مبدأ المناصفة، رغم الواقع الديمغرافي المعروف في البلاد. ليفضّل (الجنرال) حصر منازلاته بمخاتير الدائرة الاولى في الاشرفية، هارباً الى الأمام بعد الإرهاق الذي أصيب به سياسياً بفعل الارقام التي فضحت واقعه الشعبي المتأزّم.
خرج العماد عون من المعركة بعد الارقام الفاضحة التي اتت بها انتخابات جبل لبنان الاحد الماضي، والتي اكّدت الانحدار الشعبي والسياسي "للتيار الوطني الحرّ" الذي ظنّ انه استعاد الشارع المسيحي بعد "معركة "اما الصهر باسيل في حكومة الوحدة الوطنية او لا حكومة"، وبعدما سمي "باستعادة حقوق المسيحيين المخطوفة"، وبعد "صولات وجولات" في الدفاع عن ترسانة "حزب الله" وممارسات سلاحه الذي يسرح ويمرح في جبل لبنان والبلاد بأكملها، وبعد تناسي الشعارات المشرقة والجذّابة التي طرحها في حملته الانتخابية في حزيران 2009 تحت عنوان "الجمهورية الثالثة".
يمكن للجنرال ان يقول ما يريد …ولكن الجنرال الذي بدا كتسونامي جارفة على الصعيد الشعبي والسياسي عندما عاد من المنفى عام 2005، وحقق انتصارات بالغ في إظهارها بحيث ان شعبيته فاقت الـ70 بالمئة من اصوات المسيحيين على حدّ قوله ، فبدأ يتدحرج ويغرق في "المشاريع" بعد توقيعه "وثيقة التفاهم" "المباركة" مع "حزب الله"، الذي اضحى حليفاً استراتيجياً له، وموجّهاً اساسياً لبوصلة عمله الداخلي والخارجي، ولعناوين معاركه التي لم تكن تشكّل سوى واجهة زائفة لمآرب الحزب اللهي على الساحة الداخلية، فأتت نتائج الانتخابات النيابية في حزيران الماضي، يضاف اليها انتخابات النقابات والمجالس الطالبية والاتحادات، لتصب في خانة المشروع الاستقلالي السيادي، ولتؤكد هذا التراجع الكبير في "الحجم السياسي" الذي سقط وتراجع نحو حدوده الدنيا على وقع انتصارات جبيل والحازمية وسن الفيل وكثير من المناطق الكسروانية والمتنية.
يمكن للجنرال ان يقول ما يريد، ويمكن لنواب تكتّله، ولأعضاء تياره ان يبرروا للناس والرأي العام "ما لذّ وطاب" من المحاضرات والمداخلات والحجج والإتهامات والتحليلات وشرح "حقيقة الامور"، الا ان الواقع على الارض لن يغيّر شيئاً: خسارة كبيرة في الشارع المسيحي. عودة كلّ من جبيل (رغم انه زارها وقال للجبيليين انتخبوا) ومناطق كثيرة في كسروان الى حضن 14 آذار بشكل واضح وحاسم.
تمسّك الناس بمشروع الدولة الحقيقية الواحدة وحرصهم على الشرعية عبر رفضهم لكل القوى "الخارجة عن نطاق الدولة" والتي تستمر في الاستقواء بالسلاح والتسلّط. وتعزز موقع ودور رئيس الجمهورية ميشال سليمان مع اتّساع الهوة بينه وبين "الجنرال"، والدليل اتّهامات عون القديمة الجديدة للرئيس سليمان بأنه يتدخّل في جبيل، "عبر إرسال اجهزة تساعد بعض الافرقاء، فضلاً عن استعماله المؤسسات الخاصة لممارسة الضغط". وآخر هذه التبريرات، حديث صحفي لعضو التكتل يوسف خليل يعتبر فيه ان "رئيس الجمهورية ربما قد يكون تعاطف مع شقيق صهره زياد حواط، ( في اشارة الى دور ما لعبته الرئاسة الاولى في إسقاط التيار في مدينة الحرف).
كيف يريد الجنرال ان لا نصدّق انه تعرّض لهزيمة قاصمة في جبيل؟
الجنرال يدرك، ونحن ايضاً ندرك، ان ما اظهرته الانتخابات البلدية في جبل لبنان حرّك الواقع السياسي، واوضح بعض الالتباسات التي سادت في الانتخابات النيابية الاخيرة، فلا "بروباغندا إعلامية" استغلت الارقام، ولا "إغتصاب للاستحقاق البلدي في جبل لبنان". كلّ ما في الامر ان الناس عبّرت عن نفسها، وقالت كلمتها، وحددت خياراتها، وصححت بعض المسارات العرجاء…لا اكثر ولا اقل. فكيف يريد الجنرال ان لا نهتم لنتيجة جبيل، وان لا نصدّق انه تعرّض لهزيمة قاصمة فيها؟.
وبالعودة الى بيروت، وبعيداً من إدّعاء العماد عون بأن الرئيس الحريري مارس سياسة فوقية عليه خلال المفاوضات التي كانت جارية بشأن امكانية الخروج بلائحة ائتلافية جامعة تجنّب العاصمة معركة حامية تؤجج العصبيات وترفع من منسوب التصعيد والتوتير. تجدر الاشارة بأن "التيار المسيحي الاكثر تمثيلاً" و"الخاسر في انتخابات الدائرة الاولى في بيروت" اراد حصة تفوق حجمه الفعلي، وطالب بضمّ مرشّح سنّي معارض الى اللائحة الجامعة، ورفض التفاوض مع مسيحيي 14 آذار في امكانية التوافق، رغم ان الرئيس الحريري فتح كل الابواب، وابدى كل انفتاح امام المطالب والشروط المكدّسة، والمكابرة الزائدة، فكان القرار بإعلان لائحة وحدة بيروت بمختلف تلاوينها وعائلاتها ومكوناتها دون "التيار"، فيما خرج العماد عون رافضاً "الشحادة"، ومتجّهاً نحو مقاطعة الاستحقاق، هارباً الى الامام.
الكرة الحامية بالتراكمات على طاولة الحكومة؟
القراءة البسيطة لما بعد "مفاجآت الجبل" وانعكاساتها على "التيار"، تشير الى ان الجنرال يتّجه اكثر نحو مزيد من التصعيد السياسي على اكثر من جبهة، اذ يتوقّع ان يستمر في هجومه وانتقاده لرئاسة الجمهورية ودورها، وان يصعّد المواقف بوجه تيار المستقبل والرئيس سعد الحريري مستعيناً بشعارات الاستئثار والسيطرة والسطو والاحادية، يضاف اليها تجديد الحملة على القوات اللبنانية وقوى 14 آذار المسيحية.
وفي الضفة المقابلة، لا بد من اعادة النظر بالعلاقة السياسية مع بعض الحلفاء الذين اتّخذوا موقفاً سلبياً او رمادياً في الانتخابات البلدية الاخيرة. ومن المتوقّع ان ترتفع حدة النقاشات داخل البيت الداخلي "للمعارضة السابقة" وداخل "تكتل التغيير والاصلاح نفسه"، في محاولة لاستخلاص العبر والتجارب والمواقف التي ادت الى ما ادت اليه من حقائق وأرقام.
الا ان الكثير من الاوساط المتابعة تشير الى ان العماد عون وفريقه الحكومي سيعمد الى تفجير "ازمات" على طاولة مجلس الوزراء، مما يوحي الى امكانية "رمي الكرة الحامية والمليئة بالتراكمات" على هذه الطاولة، مما قد يؤدي الى اهتزاز الاستقرار الحكومي، وفرض امر واقع جديد "بالتعاون مع بعض الحلفاء" ليعيد الامور الى نقطة الصفر. فهل يهرب العماد عون الى الامام بعيداً ليخوض مزيداً من المعارك على حسابه الشخصي ورصيده الشعبي والسياسي، ام انه سيعود خطوة الى الوراء ويعيد حساباته من جديد، خاصةً وان حجم الاعتراض الداخلي بلغ اقصى درجاته بعد 5 سنوات على الاستدارة؟. فأين العماد عون من كل ذلك؟