العلامة الفارقة للانتخابات البلدية والاختيارية في محافظة جبل لبنان، يوم الاحد الماضي، كانت في الاقبال على الاقتراع، والمواجهة بين الاحزاب والعائلات، في حين ان العلامة الفارقة لانتخابات امس في بيروت والبقاع، كانت حتى الساعة الخامسة في الاقبال الخجول، او حتى المتدني في مدينتي بيروت وزحلة، بعدما كانت المعركة الانتخابية في هاتين المدينتين توصف بأنها «أم المعارك»، وربما كان «كسل» الناس، وراء «النقّ» المتواصل من المرشحين ومن الداعمين، ووراء الدعوات المستمرة لاستنهاض الناس، وسحبهم من المسابح والمطاعم وشمّ الهواء او القيلولة، الى مراكز الاقتراع، حتى تسلم الوحدة الوطنية والعيش المشترك والمناصفة بالنسبة الى فريق، وحتى يعاد الاعتبار ولغة الانتصار، عند البعض المتشوق الى طعم الربح، بعد مآدب الخسارة الدائمة.
على هامش معركة الامس، الحامية اعلامياً ودعائياً، والباردة شعبياً، يمكن تسجيل عدد من الملاحظات والمواقف التي سبقت المعركة ورافقتها.
الملاحظة الاولى تتعلق حصرياً في انتخابات العاصمة، وعلاقة عماد التيار الوطني الحر ميشال عون برئيس الحكومة سعد الحريري من جهة، وبعدم وجود مثل هذه العلاقة بين العماد وبين مسيحيي 14 اذار من جهة ثانية، وكان لافتاً ما صرح به احد نواب التيار بأن الحريري لم يرد التوصل الى اتفاق في بيروت، وقد تترتب على موقفه هذا انعكاسات غير ايجابية على الحكومة وعلى التوافق داخلها.
كعادته، عند مواجهة اي استحقاق سياسي او اي حوار مع طرف ثان، يتسلح العماد عون بخطابين وسياستين، فإذا نجح في التوصل الى ما يريد بعد حواره مع الطرف الثاني، يصبح هذا الطرف عزيزاً مكرّماً نظيفاً شريفاً، ويذبح له العجل المسمّن في مأدبة التفاهم والخبز والملح، اما اذا سقط في الاستحقاق السياسي، او فشل في حواره مع الطرف الاخر، فإن بيت الله ينهدّ على هذا الطرف الفاسد المستأثر المراوغ، ويعلن الحرب عليه «لخلخلته» من موقعه.
هذا الامر حصل بالفعل مؤخراً مع رئيس الحكومة سعد الحريري، ولم يرد عون ان يستوعب ان التوافق فشل في بيروت، لان الحريري رفض ان يقفز عون من الرابية الى قريطم دون المرور بنواب بيروت المسيحيين الذين فازوا بأصوات الاكثرية المسيحية في الاشرفية والصيفي والرميل، ولان الحريري رفض ايضاً خطاب عون الاستفزازي ضد ابناء بيروت، ولانه رفض تدخل عون في المرشحين السنّة، في الوقت الذي يطلب من الحريري التدخل مع النواب والقيادات المسيحية من اجل حصته في بلدية بيروت، خصوصاً وان عون طلب حصة اكبر بكثير من حجم شعبيته البيروتية، وبدلاً من ان يذهب عون الى تشكيل لائحة كاملة مع حلفائه في حزب الله وحزب الطاشناق والسنة المعارضين، ويخوض معركة تنافس ديموقراطي تحفظ حقوق جميع الطوائف، عمد وحلفاؤه الى اتخاذ موقف ظاهره ملتبس، وباطنه يرمي الى خلق اجواء قد تطيح بالمناصفة في البلدية يدفع ثمنها المرشحون المسيحيون لخلق شرخ بين المسيحيين والسنّة الذين يشكلون العمود الفقري لانتفاضة 14 آذار واذا فشل وحلفاؤه في خطتهم هذه، فهناك، كما جرت العادة، خطط عديدة بديلة تطرح في الوقت المناسب.
***
الملاحظة الثانية، هي في تضارب المواقف حول تقسيم بيروت الى ثلاث دوائر، لكل دائرة بلدية خاصة تتعاون في ما بينها بشكل من اشكال اتحاد البلديات، في حين ان جميع السنّة وجميع الشيعة وجميع الدروز، حلفاء للتيار او خصوماً له، يرفضون تقسيم بيروت، لانها العاصمة ولانها لجميع اللبنانيين، لان الجميع، كما يعلنون، حريصون على المناصفة، وعلى وقف العدّ، وعلى العيش المشترك الذي كرّسه لكنه في الحقيقة والواقع، لم يكرّسه في نصّ واضح وصريح حول البلديات المشتركة كما فعل بالنسبة الى المناصفة بين النواب، ومن هنا يمكن فهم تصريح الرئيس الشيخ أمين الجميل الذي اشاد فيه بموقف رئيس الحكومة سعد الحريري من موضوع المناصفة، لكنه دعا الى حوار هادئ للتوصل الى صيغة تكرّس بالقانون وليس بالنيّة او العرف حقوق المسيحيين في بلدية بيروت، وما النداءات التي اطلقها الحريري ونواب بيروت المسلمون لمنع تشطيب المرشحين المسيحيين على لائحة «وحدة بيروت» سوى الدليل على تخوّفهم من الوصول الى هكذا حالة ووضع، يبقى ان الوصول الى تفاهم وتوافق على ما يخدم مصلحة اللبنانيين جميعهم، لا يمرّ لا بالتهديد ولا بالتهويل ولا بالاستقلال، ولا بالاصطفاف المذهبي، بل بالتواصل والحوار والكلام الهادئ الموزون، عندها تصل الحقوق كاملة الى اصحابها، وفي طليعة هؤلاء ابناء الحصون والمشين المسيحيين في بلاد جبيل!!؟
عسانا نسمع اليوم اخباراً سعيدة.