#adsense

الدولة النظرية

حجم الخط

اذا كان الوطن هيكلا معرضا في كل لحظة للانهيار على قاطنيه، والأدلة على ذلك متوفرة بكثافة، أبرزها ان الزواج بين اللبنانيين هو زواج نفاق؛ فأي امل بعد يلوح امام المستقبل؟

في دولتنا النظرية، يتخبط المجتمع في ما وصل اليه من التاريخ، وتقلبات الحكم، وعدم الاستقرار. فالطائفية اصبحت ظاهرة في عمق النظام، بل تؤلف نظاما كاملا له اساساته ودعائمه في جميع القطاعات الوطنية. وقد كانت مجرد ظاهرة جزئية أوجدها المستعمرون لكي يوقعوا الفتنة بين ابناء الوطن الواحد، وتأتي النتائج لمصلحتهم.

والطائفية مرتبطة عضويا بالمصالح الاقطاعية. فالاقطاع استغل الطائفية لكي يحمي مصالحه من أثر التغيرات التي تجري، أو قد تجري على مستوى القاعدة الشعبية. من هنا، كان ثبوت الواقع الطائفي في كيان تضاءلت حياله أهمية سائر انواع الارتباط الاجتماعي. ان نظرة الى تطور التاريخ الداخلي لمناطق لبنان، تبين نماء الطائفية التي أصبحت قدرا لا سبيل لتجنبه، وأمرا ملازما للتعامل الاجتماعي والوطني. حتى ان الدولة راعت الامتداد الطائفي، فصعب عليها تجاوزه، اذ اصبحت الطائفية ايديولوجية الدولة واساسا للتوازن والاستقرار.

والواقع ان قاعدة التساوي الطائفي انكرت المساواة الديمقراطية ما شل التطور الاجتماعي وتفاعل الافراد والجماعات. وهذا يعني تمتين الصلة بعقائد الرجعية والتخلف، وهي النقيض الحتمي للقيم الانسانية والاجتماعية. وكأن الدولة تقدم للناس العكاكيز ليبقوا عرجانا ومكرسحين.

في دولتنا النظرية، مجتمعنا السياسي مفكك، مقسم، جاهل، خاضع برمته للايديولوجيات الدينية فغدت السياسة في مفهومها القانوني والموضوعي ظاهرة يكتنفها الابهام والغموض: فالثابت ان السياسة عندنا تكرس مبدأ الاقطاع والوراثة في زعامات والناس في تبعية رعناء تحولهم غنيمة ينهشها الاقطاعيون ويتوزعونها في ما بينهم، فيسود المجتمع مناخ من الخزي.

في دولتنا النظرية، تناقض فاضح بين القوانين والانظمة وبين تنفيذها ما يعطي الضوء الاخضر للاجحاف والظلم والفئوية. فيتبخر مبدأ العدالة وتتلاشى القيم وتنسحق الغايات الانسانية السامية. ويسود جو يحاول اخضاع حركة الواقع لاتجاه مشبوه يفرضه، تتسرب معه مقاييس مشبوهة الى سلوك الفرد والجماعة، ويجر المجتمع بكامله الى حيز الخضوع الطوعي. كل ذلك من اجل استئصال ثقافة التحول من ذهن الناس.

في دولتنا النظرية، يزدهر موسم الوداع. فالكثير من الشباب، وعد الغد الآتي وبترولنا الحي، يبتلعه الافق فتتحول مؤهلاته الى غير بلاد، ويفيد من مقدراته غير ناسنا. فمن مواصفات واقعنا خنق الطموح، واندفاع ارادي الى انماء مشروع الهجرة مصيرا لا بديل منه امام طاقاتنا الشابة والمثقفة. فهل يتصدر حركة الشباب اليوم غير هذا المشروع المميت؟

في دولتنا النظرية، توازن بهلواني غير مضمون، يهتز عند اول نسمة تهب من خارج. فالتصادم والتسالم حركتان لا حول لنا معهما. نتكيف او ننفصل تبعا لما يفرض علينا من شكلية العلاقة تصدر عن انتدابات متلاحقة، حكومية او شعبوية، والمهم ابعاد الاندماج الى الحد الاقصى. كيف يمكن ان يكون طرف: في دولتنا النظرية بدعة غير مسبوقة: سياسي مواليا ومعارضا في آن معا.

في النظام الديمقراطي هنالك الاكثرية الحاكمة، وهناك عصا غليظة فوق رأسها هي المعارضة، مهمتها الاشارة الى الاعوجاج لتقويمه، وذلك بشكل موضوعي، معتمدة كل اشكال التعبير التي تسمح بها الديمقراطية. والهدف هو دائما مصلحة الرعية. أما ان يضرب الواحد رأسه بعصاه، فهذا منتهى العجب! في دولتنا النظرية تراخ شبه تام على مستوى الانتماء والولاء. فهنالك ألف تعريف للوطنية، وألف زاروب لتضييع هذا المفهوم. الوطن هو مساحة المصلحة عند البعض؛ وهو وهم يذوب في غيرة قومية أو اثنية؛ أو هو أرث انتقل الى البعض فامتلكه وعاث فيه تشويها من دون حساب……

والانتماء صار انتماءات، والقيمة هي لمن يجاهر بولائه لخارطة غير خارطة الوطن. فيا ايها القيمون على الناس، الى اي فئة انتميتم، اتمنى ان اسدل ستارا على وجهي كي لا أرى وجوهكم.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل