في انتظار تنفيذ أحد الحلول الأربعة
السلاح خارج الدولة باقٍ ومعه الخلل في التوازن الداخلي
هل يمكن القول ان سلاح "حزب الله" اصبح خارج التداول بعد تصريح الرئيس ميشال سليمان بان هذا السلاح باق "في غياب الاستراتيجية الدفاعية واستمرار التهديدات الاسرائيلية"؟
يقول أحد المشاركين في هيئة الحوار الوطني ان تصريح الرئيس سليمان يستجيب مطالبة "التحالف الشيعي" بلسان الرئيس نبيه بري ولسان الامين العام لـ"حزب الله" السيد حسن نصرالله وغيره من القياديين في الحزب باخراج موضوع سلاح المقاومة من التداول وحصر البحث في الاستراتيجية الدفاعية وغيرها من المواضيع، وهي الاستراتيجية التي تعطي دورا لهذا السلاح الى جانب سلاح الجيش وقوى الامن الداخلي عند مواجهة عدوان اسرائيلي.
وبما ان لا شيء يدل حتى الآن على ان التوصل الى اتفاق على وضع هذه الاستراتيجية قريب، ولا التهديدات الاسرائيلية ستتوقف، فان سلاح "حزب الله" باق الى اجل غير معروف او الى حين يتحقق السلام الشامل في المنطقة، وهذا علمه عند الله…
وبقاء سلاح "حزب الله" الى اجل غير معروف معناه ان الخلل في التوازن الداخلي بين القوى السياسية الاساسية في البلاد سيبقى، فلا الاكثرية النيابية التي تنبثق من الانتخابات النيابية قادرة على ان تحكم الا بموافقة الاقلية المسلحة او بمشاركتها، تطبيقا لما يسمى "الديموقراطية التوافقية" التي ثبت فشلها حتى الآن من خلال تشكيل حكومات تدّعي زوراً بانها حكومات "وحدة وطنية" فيما لا وحدة ولا انسجام ولا تجانس بين اعضائها ولو في الحد الادنى من الامور، وان لا مجال للعودة الى تطبيق النظام الديموقراطي الذي تحكم بموجبه الاكثرية والاقلية تعارض، لان لا ديموقراطية كهذه في ظل البندقية وفي ظل الطائفية.
وهكذا يكون "التحالف الشيعي" قد حقق ما اراد وحال دون التخلي عن سلاح يوجه نحو اسرائيل ساعة يقرر هذا التحالف ذلك ونحو الداخل ساعة يرى ذلك… فمنذ اليوم الاول لقيامه وعند حلول موعد الانتخابات الرئاسية اعلن غير مسؤول في "حزب الله" أن الحزب هو ضد كل مرشح للرئاسة لا يكون مع المقاومة ولا يتعهد حمايتها، وان كل من يحاول نزع هذا السلاح باي وسيلة من الوسائل سوف يفشل.
عام 2005 وجه الامين العام لـ"حزب الله" السيد حسن نصرالله رسالة الى فرنسا جاء فيها:
"يشكل سلاح المقاومة قوة حماية استراتيجية للبنان ليس بامكانه التخلي عنها تحت اي ضغط او تهديد لان ذلك يجعل لبنان واللبنانيين تحت رحمة النار الاسرائيلية التي اذاقتهم المر طوال عقود ويفقدهم اي معنى بالحرية والاستقلال وحق التصرف بمستقبل بلدهم وفرص تطوره. ولهذا تجوب الديبلوماسية الاسرائيلية العالم بحثا عن سبيل لوضع "حزب الله" على لائحة الارهاب وضرب مشروعية المقاومة قانونيا بدعم صريح من الولايات المتحدة الاميركية التي كانت اول المتجاوبين ومعها بعض اتباعها الاقربين، وبدعم من اللوبي الصهيوني المنتشر في شتى دول العالم مستخدما ادواته المعروفة لاسيما المالية والاعلامية لهذا الغرض".
وفي لقاء عقد بين وزير الخارجية الفرنسي برنار كوشنير وقيادي في "حزب الله" عقب انتهاء الانتخابات النيابية وفوز قوى 14 آذار بالاكثرية، قال الوزير الفرنسي: "في المجتمعات الديموقراطية تفرز الانتخابات البرلمانية اكثرية تحكم واقلية تعارض"، محاولا بذلك اقناع الاقلية النيابية التي افرزتها انتخابات حزيران 2009 بتشكيل حكومة من الاكثرية. لكن القيادي في "حزب الله" رد بالقول: "ان هذا يصح في المجتمعات الاحادية وليس في المجتمعات المتعددة طائفيا كما هي الحال في لبنان الذي يعتمد نظام التمثيل الطائفي مع ما يتطلبه ذلك من ديموقراطية توافقية تتلاءم وطبيعة هذا النظام. لذا فان قاعدة الاكثرية والاقلية لا تطبق في نظام تعددي وطائفي كذاك المتبع في لبنان".
وهكذا، وبحكم الخلل القائم في التوازن الداخلي الذي احدثته فئة تحمل السلاح من دون فئة اخرى، استطاعت الفئة المسلحة الحؤول دون تمكين الاكثرية النيابية من انتخاب رئيس للجمهورية منها، ولا تشكيل حكومة منها تطبيقا للديموقراطية العددية، ولا تمكينها من معالجة موضوع السلاح خارج الدولة حتى مع تشكيل حكومة "وحدة وطنية" من الاكثرية والاقلية. وكل شيء يدل حتى الآن على ان هذه الاقلية المسلحة لن تمكّن الاكثرية من وضع استراتيجية دفاعية تجعل كل سلاح خارج الشرعية ولاسيما سلاح "حزب الله" بإمرة الدولة. حتى ان سياسيين معتدلين وواقعيين تساءلوا في معرض البحث عن حل لموضوع هذا السلاح: "لماذا لا نسعى الى ايجاد صيغة انتقالية بين مرحلة التحرير ومرحلة التسوية الشاملة في المنطقة، فنعلن باقتناع كامل ان ليس بامكاننا التخلي عن ورقة "حزب الله" الا عندما نتوصل الى السلام الشامل في المنطقة؟ عندها يمكن ايجاد وسيلة لادارة الملف بشكل نحافظ فيه على المقاومة كاحتياط استراتيجي ولكن وفق صيغة تسمح للشرعية اللبنانية بان تكون موجودة في الجنوب وفي غير الجنوب بصورة افعل وعبر كل المؤسسات، فنحافظ بذلك على اوراقنا الاستراتيجية التي نحتاج اليها في لبنان وسوريا في المواجهة المشتركة مع اسرائيل حتى توقيع معاهدة السلام".
وفي انتظار التوصل في هيئة الحوار الوطني الى اتفاق على استراتيجية تحفظ للدولة دورها وللسلاح خارج الدولة دوره، فان لبنان سيظل محكوما بنظام توافقي لا ينتج، وحكومات يتم تشكيلها بالتوافق هي في الواقع حكومات تصريف اعمال، ونتائج الانتخابات النيابية تفقد معناها عندما لا يحق للرابح ان يحكم ولا للخاسر ان يعارض لان الرابح والخاسر يصبحان في حكومة واحدة.
الواقع ان لا سبيل الى معالجة وجود السلاح خارج الشرعية لتتمكن الدولة من بسط سلطتها وسيادتها على كل اراضيها وتكون قوية وقادرة الا بأحد الحلول الآتية:
اولا: ان تمنع سوريا عبور الاسلحة من اراضيها الى لبنان. لكن هذا له ثمن سياسي يحتاج الى اتفاق عليه.
ثانيا: ان تمنع ايران ارسال الاسلحة الى "حزب الله" عبر الاراضي السورية وغير السورية، وهذا يحتاج الى ثمن سياسي يتطلب الاتفاق عليه ايضا.
ثالثا: ان يصير اتفاق في هيئة الحوار الوطني على استراتيجية دفاعية تحدد دور السلاح خارج الشرعية في الزمان والمكان.
رابعا: انتظار نجاح المساعي المبذولة لتحقيق سلام شامل في المنطقة.
وما لم يتم التوصل الى حل من هذه الحلول، فان السلاح خارج الدولة يبقى مشكلة لها ومصدر خلاف وانقسام بين اللبنانيين لانهم يصبحون غير متساوين امام القانون.