التطمينات الدولية لن تمنع وحدها الحرب
حقائق دور المقاومة المسلحة في لبنان
"حذر مسؤول دولي بارز معني بالملف اللبناني من ان التطمينات الدولية التي تلقاها أركان الحكم في لبنان الى ان الحرب لن تقع ليست كافية وحدها لحماية هذا البلد من خطر دخوله في مواجهة جديدة مدمرة مع اسرائيل ضد ارادة الغالبية العظمى من أبنائه وذلك بسبب عاملين أساسيين هما: الأول ان قادة اسرائيل يتصرفون في اتصالاتهم الدولية على أساس ان المواجهة مع "حزب الله" آتية ولا مفر منها نتيجة امتلاك الحزب قدرات تسلحية وصاروخية متطورة ضخمة تشكل، في نظرهم، تهديداً مستمراً لأمن الدولة العبرية من غير الممكن معالجته بسوى القوة العسكرية لأن الحزب ليس دولة يمكن التفاوض معها ولانه ليس راغباً أساساً في التعايش سلمياً مع الاسرائيليين. الثاني ان المحور السوري – الايراني هو الذي يملك، من خلال "حزب الله"، قرار الحرب وليس الدولة أو السلطة الشرعية في هذا البلد. والمحور السوري – الايراني ليس مهتما بأمن لبنان واستقراره أو بمصيره بقدر ما هو مهتم باستخدام هذا البلد ساحة مواجهة مفتوحة مع اسرائيل وجهات أخرى لمحاولة تأمين مصالحه تحت شعار دعم المقاومة ولمحاولة تعزيز مواقعه التفاوضية مع الدول الكبرى. وأوضح هذا المسؤول الدولي ان المطلوب في الدرجة الأولى أن يساعد الأفرقاء اللبنانيون أنفسهم بأنفسهم من خلال تبنيهم استراتيجية وطنية واضحة لحماية بلدهم من الحرب تستند الى مبدأ أساسي هو ان المقاومة يجب أن تكون خاضعة لسلطة الدولة اللبنانية ولمتطلباتها وحاجاتها كما هو الحال في سائر الدول عوض أن تكون الدولة هي الخاضعة للمقاومة ومتطلباتها. وتبني مثل هذه الاستراتيجية يساعد الدول الداعمة لبنان المستقل على تأمين الحماية له من أي حرب جديدة".
هذا ما اعلنته مصادر ديبلوماسية أوروبية وثيقة الاطلاع في باريس. وقالت "ان ما يحتاج اليه اللبنانيون في هذه المرحلة الحساسة والخطرة، الى الدعم الدولي والعربي المستمر لقضيتهم، هو أن يناقش زعماء لبنان في اطار هيئة الحوار الوطني، بصراحة تامة وبالتفصيل واستناداً الى الحقائق وحرصاً على المصلحة الوطنية العامة، دور المقاومة المسلحة في هذا البلد وطريقة التعامل مع هذه المقاومة بما يخدم المصالح الحيوية اللبنانية المشروعة". وأوضحت "ان نظرية الاعتماد على المقاومة المسلحة لحماية لبنان ولضمان أمنه واستقراره ولاستعادة حقوقه التي يتبناها حلفاء دمشق من أجل تبرير احتفاظ "حزب الله" بسلاحه وبقرار الحرب، هي نظرية خاطئة وتتناقض مع الوقائع كما تؤكدها الحقائق الأساسية الآتية:
أولا: ان المقاومة الوطنية يجب أن تتكيف وتنسجم مع متطلبات بلدها ومع حاجاته الحقيقية وواقعه اذ ان هدفها أن تكون في خدمة الشعب وفي خدمة مصالحه الحيوية وليس أن يكون الشعب في خدمتها. ومن الضروري الاعتراف بأن دور المقاومة اللبنانية تبدل جذرياً بعد تحرير الأرض المحتلة من الاسرائيليين عام 2000 وتأكيد مجلس الأمن أن القرار 425 تم تنفيذه وبعد رسم الخط الأزرق بين لبنان واسرائيل، اذ ان ما تبقى تحت الاحتلال من أرض لبنانية هو قطعة أرض محدودة المساحة تتمثل خصوصاً في منطقة شبعا وتلال كفرشوبا والجزء الشمالي من قرية الغجر، ومن الممكن استعادتها بالوسائل الديبلوماسية وليس بالمواجهة العسكرية وخصوصاً اذا ما وافق النظام السوري على تكريس لبنانية شبعا خطياً ورسمياً من أجل تسهيل مهمة الأمم المتحدة في تعاملها مع اسرائيل.
ثانيا: من الخطأ أن تتصرف المقاومة على أساس انها هي التي تقرر مصير لبنان وتحدد طريقة التعامل مع اسرائيل، ذلك ان هذا البلد ليس خاضعاً للاحتلال الاسرائيلي، كما ان الدولة ليست منهارة أو مفككة والحكم ليس معزولاً عربياً ودولياً. وقد حظيت المقاومة بدعم حقيقي واسع من اللبنانيين عموماً حين خاضت، في ظل حماية الدولة ومساندتها، معركة تحرير أجزاء كبيرة من الأراضي اللبنانية المحتلة. ولكن بعدما تحقق هذا الهدف عام 2000 انقسم اللبنانيون حيال جدوى تمسك "حزب الله" بسلاحه، فعارضت الغالبية الواسعة منهم احتفاظ الحزب بالسلاح وبقرار الحرب وهو ما عكسته بوضوح نتائج الانتخابات النيابية عامي 2005 و2009 وما تؤكده باستمرار الانتخابات المختلفة التي تجري في هذا البلد. ومصلحة اللبنانيين تقضي بوضع حد لهذا الانقسام حول المقاومة المسلحة ودورها من خلال تفاهم الزعماء اللبنانيين على صيغة موحدة ملائمة لحماية البلد من أية أخطار اسرائيلية محتملة وبحيث تكون الدولة وحدها هي التي تتخذ قرارات الحرب والسلم، وعلى أساس أن ترافق ذلك جهود يبذلها مختلف الأفرقاء لاقناع النظام السوري بتسهيل عملية استعادة شبعا وما تبقى من أرض لبنانية محتلة بالوسائل الديبلوماسية وكما يفعل هذا النظام في تعامله مع قضية استعادة الجولان المحتل.
مبارزة أم حماية وطن؟
ثالثا: ان المقاومة قاتلت بشجاعة خلال حرب 2006 لكنها فشلت آنذاك في استعادة أي جزء مما تبقى من أرض لبنانية محتلة وتكبد اللبنانيون في المقابل خسائر هائلة. وهذا ليس ناتجاً من ضعف المقاومة بل من الفارق الهائل بين قدرات اسرائيل التسلحية الضخمة التي تفوق قدرات دول عربية عدة وقدرات "حزب الله" التسلحية المحدودة جداً بالمقارنة مع ما يملكه الاسرائيليون. لذلك فان مصلحة لبنان الحقيقية تقضي بأن تتركز جهود جميع الأفرقاء على تعزيز فرص استعادة ما تبقى من أرض محتلة بالوسائل الديبلوماسية كما تفعل سوريا منذ العام 1974، عوض أن تتركز الجهود على تطوير القدرات التسلحية للمقاومة بمعزل عن الدولة من أجل محاولة استعادة هذه الأرض المحتلة بالوسائل العسكرية ومن دون وجود ضمانات لتحقيق هذا الهدف وخصوصاً في ظل التفوق العسكري الاسرائيلي الهائل الذي تدرك خطورته القيادة السورية ولذلك تمتنع عن خوض الحرب مع الدولة العبرية من أجل استعادة الجولان المحتل.
رابعا: فشلت المقاومة المسلحة في تأمين أي نوع من الحماية للبنان واللبنانيين خلال حرب صيف 2006، اذ انها استطاعت الحاق الأضرار والأذى باسرائيل، وواجه مقاتلوها العدو بشجاعة فائقة، لكن لبنان دفع في المقابل ثمناً باهظاً جداً من غير أن يحقق أي مكاسب أو انجازات ملموسة. فقد أصاب دمار وخراب واسعان مناطق لبنانية عدة نتيجة هذه الحرب التي سقط فيها أكثر من 1200 قتيل لبناني وخمسة آلاف جريح، كما بلغ حجم الخسائر المادية أكثر من عشرة مليارات دولار. وحدث ذلك كله من غير أن يتمكن "حزب الله" من تحرير أي قطعة أرض أو استعادة أي أسير. وعلى هذا الأساس، من الخطأ القول ان سلاح المقاومة قادر وحده على حماية لبنان من الأخطار والتهديدات الاسرائيلية. والقضية ليست قضية مبارزة مستمرة مع العدو الاسرائيلي بل قضية حماية وطن.
خامسا: الجانب الخطر في استراتيجية "حزب الله" هو ان هذا الحزب المدعوم من النظامين السوري والايراني يريد اعطاء لبنان دوراً أكبر بكثير من حجمه وامكاناته بل أكبر من دور سوريا ذاتها. ذلك ان الحزب يتصرف، من خلال تمسكه بأسلحته وبقرار الحرب، على أساس ان مهمة لبنان تقضي بأن يكون دولة المواجهة العربية الوحيدة مع اسرائيل فيتحداها باستمرار ويظل في حال استعداد للقتال معها ويعمل على اسقاط "المشروع الأميركي – الاسرائيلي" في المنطقة، فيما يحرص النظام السوري على حماية بلده من الخراب من طريق الامتناع عن محاربة الدولة العبرية، كما يحرص على ابقاء خطوط الحوار والتفاوض مفتوحة مع الأميركيين والاسرائيليين. ويقوم "حزب الله" بدوره هذا من غير أن يحصل على تفويض لبناني شرعي، اذ ان اللبنانيين في غالبيتهم الواسعة يرفضون أن يكون بلدهم، وهو الأضعف في المنطقة، ساحة المواجهة العربية الوحيدة المفتوحة مع اسرائيل، بينما تلتزم كل الدول العربية خيار السلام لحل النزاع مع الدولة العبرية. ووفقاً لما قاله لنا ديبلوماسي أوروبي مطلع: "لن تؤمن أي دولة بارزة ومؤثرة في العالم الحماية للبنان اذا ما تحول دولة المواجهة العربية الوحيدة مع اسرائيل.
دولة السلام وفريق المواجهة
سادساً: النظرية التي تبناها حلفاء دمشق والقائلة بان حرب 2006 ستكون آخر الحروب الاسرائيلية على اللبنانيين والعرب لأن الدولة العبرية تعرضت لضربات من المقاومة، هي نظرية خاطئة وأثبتت الوقائع عدم صحتها. فقد استغلت اسرائيل رفض "حماس" تمديد الهدنة الأمنية معها في نهاية 2008 واقدامها على اطلاق مئات القذائف على أراضيها، لتخوض حرباً بالغة الشراسة على غزة أدت الى تدمير عشرين في المئة من القطاع والى سقوط أكثر من 1500 قتيل وخمسة آلاف جريح في مقابل سقوط أقل من ثلاثين قتيلاً اسرائيليا. كما ان لبنان يعيش اليوم مجدداً هاجس تعرضه لحرب اسرائيلية جديدة، مما يعني ان حرب 2006 ليست آخر الحروب الاسرائيلية على العرب.
سابعا: لا مصلحة للبنان في أن يخرج من المجموعة العربية الواسعة التي تدعم مع المجتمع الدولي استقلاله وسيادته من أجل أن يصبح جزءاً من المحور السوري – الايراني ضد ارادة الغالبية العظمى من أبنائه، لأن ذلك يلحق به أضرارا جسيمة من غير أن يحقق له مكاسب ويضعفه عربياً ودولياً. فالمحور السوري – الايراني يخوض معركته مع اسرائيل بطريقة مختلفة جذرياً عن تلك التي اعتمدها المحور المصري – السوري – العربي خلال حرب 1973. ففي ذلك الحين شنت مصر وسوريا، مدعومتين من دول عربية عدة على رأسها السعودية، الحرب على اسرائيل بالاعتماد على قواتهما وقدراتهما الذاتية وانطلاقاً من أراضيهما من أجل تحرير سيناء والجولان. أما المحور السوري – الايراني فهو يرفض الدخول في مواجهة عسكرية مباشرة مع اسرائيل انطلاقاً من الأراضي السورية والايرانية بل يريد مواجهة الدولة العبرية انطلاقاً من الأراضي اللبنانية والفلسطينية، فيحاول تحقيق المكاسب من خلال تضحيات اللبنانيين والفلسطينيين ومن غير أن يتكبد هذا المحور خسائر بشرية ومادية. وهذا ما حدث خلال حرب 2006 في لبنان وحرب 2008 في غزة اذ سعى النظامان السوري والايراني الى استغلال نتائج هاتين الحربين من أجل محاولة تعزيز مواقعهما التفاوضية مع الدول الكبرى عوض المشاركة فيهما بفتح جبهة الجولان أمام العمليات العسكرية أو نشاطات المقاومة.
ثامنا: يحتاج لبنان أساساً الى امتلاك قدرات دفاعية حقيقية لحماية ذاته من الأخطار والتهديدات الاسرائيلية المحتملة، وليس الى امتلاك فريق فيه قدرات هجومية بمعزل عن سلطة الدولة لأن ذلك يعطي ذرائع للاسرائيليين لضرب هذا البلد والحاق الدمار والخراب فيه بين الفترة والأخرى. والقدرات الدفاعية التي يحتاج اليها لبنان تتكون من ثلاثة عناصر أساسية هي الآتية: أولا ضرورة توحيد كل القدرات العسكرية التي يملكها اللبنانيون ووضعها تحت سلطة الدولة وفي تصرفها في اطار استراتيجية دفاعية مشتركة يوافق عليها الأفرقاء اللبنانيون جميعاً، وهو ما يتطلب تخلي "حزب الله" عن سلاحه وعن قرار الحرب للدولة، فيكون قرار الحرب والسلم حينذاك قراراً لبنانياً وليس قراراً اقليمياً يفرض بالقوة أو من طريق الضغوط على اللبنانيين. ثانيا الافادة من الدعم الدولي والعربي الواسع الذي يتمتع به لبنان المستقل السيد المسالم المتمسك بحقوقه المشروعة وليس بدور يصنعه له الآخرون، والاعتماد على هذا الدعم لايجاد الصيغة الملائمة التي تؤمن له في وقت واحد استعادة ما تبقى من أرضه المحتلة وضمان عدم تعرضه مجدداً للاعتداءات الاسرائيلية. ثالثا التخلي عن سياسة التضحية بلبنان وأمنه واستقراره خدمة لمصالح جهات اقليمية، ووضع هذا البلد عوض ذلك تحت رعاية الشرعية الدولية وحمايتها من خلال الامتناع عن اعطاء ذرائع لاسرائيل لضرب لبنان، ومن خلال تنفيذ قرارات مجلس الأمن ذات الصلة التي تشكل ضمانا قويا لمنع اخضاع البلد مجدداً للهيمنة السورية، وضمانا لتعزيز أمنه واستقراره والسلم الأهلي بين أبنائه ولتأمين مصالحه الحيوية المشروعة”.
ولخص ديبلوماسي أوروبي مطلع الموقف بقوله: "لبنان يعيش في حال انقسام عميق بين دولة تتصرف رسمياً على أساس انها جزء من المجموعة العربية الساعية الى حل النزاع سلمياً مع اسرائيل وفقاً لمبادرة السلام العربية، وفريق يملك السلاح ويؤمن بالمواجهة المسلحة ويريد ضم هذا البلد الى المحور السوري – الايراني وهو ما ستكون له في حال حصوله عواقب وخيمة. والدول البارزة والمؤثرة تخوض حالياً، وخصوصاً في تعاملها مع نظام الرئيس بشار الأسد، معركة سياسية وديبلوماسية جدية لحماية لبنان من أي ضغوط أو توجهات اقليمية تدفعه نحو الحرب المدمرة، وهي معركة يمكن القول انها مكملة لتلك التي خاضتها هذه الدول مع القوى الاستقلالية وأدت الى خروج القوات السورية من لبنان عام 2005، ومكملة أيضاً لمعركة تشكيل المحكمة الدولية الخاصة المكلفة النظر في جرائم سياسية وارهابية أخرى".