#adsense

حكمة…

حجم الخط

تخبرنا الدنيا أن الناس مقامات يا إخوان، وأن الحسب والنسب لا يعطيان في أحيان كثيرة مميزات تفضيلية لشخص من دون آخر. لا في الأخلاق الحميدة ولا في شقيقتها الأخلاق الخبيثة.

كما تخبرنا، من دون تفاصيل واستثناءات، أن النفس البشرية توّاقة في طبعها الأول الى العيش في أطر ونظم خاصة تحترم مساحة الغير وتحافظ على مساحة الذات. وأن الأمر حكماً يعني تنازلاً عن بعض خصوصيات الفرد لصالح المجموع، وإلا كنا جميعاً في مكان لا يختلف عن الغابة وقوانين الغريزة فيها.

وتخبرنا بعد هذا بقليل، أن أحكم الناس من عَرِفَ نفسه فوقف عندها… وأن الشعار الأبدي الذي رُفع فوق معبد أبولو في دلفي اليونانية العتيقة "لا شيء في إفراط" قُصِدَ منه، في ما قصد، عدم تحميل تلك النفس فوق قدرتها، والاعتدال في الإجمال، باعتبار أن التورية والاحتيال والخديعة مفردات واحدة لتطرّف في التفكير يحمل صاحبه على افتراض قدرة لديه فوق مستوى الآخرين فيما هو حقيقة وفعلاً ليس كذلك، في ألطف الأقوال وأسلسها.

المناسبة العزيزة لهذه المقدمة المتواضعة، سببها ومُطلق شرارتها هو استمرار البعض في التطاول الفظ، وفي قول كلام شخصي أغلظ من جلود التماسيح في حق آخرين يختلفون معهم في السياسة.. والأخلاق.

استوقفني أحدهم، وهو بالكاد يعرف أن ينطق نطقاً صحيحاً، عندما انتقد طريقة كلام الرئيس سعد الحريري بالعربي. علماً أن الحريري يتحدث بأربع لغات أجنبية، وبالتأكيد يتحدث لغة عربية يفهم روحها من يستمع إليه لأنها تشبه روحه ونبضه وأحاسيسه. واستوقفني آخر، لا يترك مناسبة إلا ويذمّ فيها بالتوجه السياسي لرئيس حكومتنا، علماً أن الشخص صاحب الاتهام، والذي صار اليوم نبراساً في نهج المقاومة ومُعلّماً لنا في كيفية الممانعة، قد تدرّب وشبّ في معسكرات إسرائيلية في مطلع ثمانينات القرن الماضي وباعتراف شخصي منه.

.. في مطلع ثمانينات القرن الماضي، كان سعد الحريري مع عائلته في مدينة صيدا وبقي فيها خلال الاجتياح الإسرائيلي للبنان آنذاك.. بقي مع أشقائه وعمّه وعمّته وأولادهما في المدينة مع ناسها وأهلها، وعانوا ما عاناه هؤلاء من مخلّفات اجتياح حلفاء الممانع اليوم. لم يهرب ولم يُهرّب لا هو ولا أي فرد من أهل بيت رفيق الحريري.

زميل آخر لصاحب الممانعة، وشلاّل المقاومة، نبع الصمود ونبريش التصدي، متخصص في إطلالاته المميّزة ومصطلحاته التي سبق في هذا المقام أن أشرنا إليها، هذا الصنديد الصاروخي، لم يترك أحداً من أخصامه في السياسة والأخلاق والذوق الرفيع إلا وألصق به كل ما في جعبته من سقط الكلام والاتهامات بالعمالة والخيانة فإذ بنا نكتشف أنه هو نفسه كان يعمل في مؤسسة إعلامية داخل الشريط الحدودي خلال فترة احتلاله.. من دون زيادة حرف واحد على هذه الجملة الجليلة.

في البال والخاطر كلام آخر أوضح وأفصح لا وقت له الآن.. لكن مقدمات الأخلاق والعيش بين البشر تفترض أول ما تفترض أخذ الحكمة اليونانية بحرفيتها: إعرف نفسك!

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل